ـ [أبو محمد المصرى] ــــــــ [31 - May-2007, مساء 05:40] ـ
قال الجصاص الحنفي في كتابه في أصول الفقه عن داود - إمام الظاهرية - وغيره من أئمتهم:
وَلَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِ مَنْ لَا يَعْرِفُ أُصُولَ الشَّرِيعَةِ ..: كَدَاوُد الْأَصْبَهَانِيِّ وَالْكَرَابِيسِيِّ، وَأَضْرَابِهِمَا مِنْ السُّخَفَاءِ (الْجُهَّالِ) ، لِأَنَّ هَؤُلَاءِ إنَّمَا كَتَبُوا شَيْئًا مِنْ الْحَدِيثِ، وَلَا مَعْرِفَةَ لَهُمْ بِوُجُوهِ النَّظَرِ، وَرَدِّ الْفُرُوعِ وَالْحَوَادِثِ إلَى الْأُصُولِ، فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْعَامِّيِّ الَّذِي لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ، لِجَهْلِهِ بِبِنَاءِ الْحَوَادِثِ عَلَى أُصُولِهَا مِنْ النُّصُوصِ، وَقَدْ كَانَ دَاوُد يَنْفِي حُجَجَ الْعُقُولِ، وَمَشْهُورٌ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: (بَلْ عَلَى الْعُقُولِ) ، وَكَانَ يَقُولُ: لَيْسَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِنَا دَلَائِلُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى تَوْحِيدِهِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ إنَّمَا عَرَفَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِالْخَبَرِ، وَلَمْ يَدْرِ الْجَاهِلُ أَنَّ الطَّرِيقَ إلَى مَعْرِفَةِ صِحَّةِ خَبَرِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَالْفَرْقِ بَيْنَ خَبَرِهِ وَخَبَرِ مُسَيْلِمَةَ وَسَائِرِ الْمُتَنَبِّئِينَ وَالْعِلْمِ بِكَذِبِهِمْ إنَّمَا هُوَ الْعَقْلُ، وَالنَّظَرُ فِي الْمُعْجِزَاتِ، وَالْأَعْلَامِ وَالدَّلَائِلِ، الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا إلَّا اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ يَعْرِفَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فَمَنْ كَانَ هَذَا مِقْدَارَ عَقْلِهِ وَمَبْلَغَ عِلْمِهِ كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُعَدَّ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؟ وَمِمَّنْ يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ؟ وَهُوَ مُعْتَرِفٌ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ اللَّهَ تَعَالَى، لِأَنَّ قَوْلَهُ: إنِّي مَا أَعْرِفُ اللَّهَ تَعَالَى مِنْ جِهَةِ الدَّلَائِلِ اعْتِرَافٌ مِنْهُ بِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُهُ، فَهُوَ أَجْهَلُ مِنْ الْعَامِّيِّ، وَأَسْقَطَ مِنْ الْبَهِيمَةِ، فَمِثْلُهُ لَا يُعَدُّ خِلَافًا عَلَى أَهْلِ عَصْرِهِ إذَا قَالُوا قَوْلًا يُخَالِفُهُمْ، فَكَيْفَ يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ عَلَى مَنْ تَقَدَّمَهُ
وقد أجاب الإمام ابن عقيل الظاهري ـ حفظه الله ـ في كتابه النفيس"ابن حزم خلال ألف عام" (4/ 242) عن كلام الجصاص بقوله:
"ما نقله الكوثري عن الجصاص من باب التهويش والدعوى بغير برهان."
ولو فرض أن الإجماع كما يتصوره الأحناف لما جاز إلغاء خلاف أهل الظاهر، لأنه إنما يلغي خلاف من كان غير مؤمن أو كان جاهلًا وهاتان صفتان معدومتان في أهل الظاهر.
والمقاييس ووجوه النظر التي يفخر بها الرازي تركها الظاهريون رغبة عنها لا قصورًا في فهمهم عن تصورها، ولا عجزًا في مواهبهم عن ابتكارها، لأنهم بسبيل تحرير المفهوم الشرعي فقط ولو كانوا بسبيل تمرين الذهن بالأعيب القياس أو في سبيل إشباع الثقافة البشرية بالآراء البشرية المولدة لما شق احد غبارهم، بل هم رواد علماء المسلمين في تحرير نظرية المعرفة التي يميز بها معرفة الشرع عن المعارف الدنيوية.وما نقله عن داود من إنكار حجج العقول ليس صحيحًا وإنما هو تعمد لإساءة الفهم عنه، لأن مبنى فقهه على النظر والاستدلال، وإنما ألغى اقتراح العقل ثم جعل اقتراحه شرعًا وقصر مهمة العقل في فهم الشرع والتمييز بين دلالاته وأحكامه.
وكذلك ما زعمه من إنكار دواد لدلالات الكون والأنفس لا بد أن يكون نتيجة تحوير لمفصده، وتعمدًا لإساءة فهم كلامه لا سيما الاستدلال بالكون والأنفس ظاهر شرعي.
إن العقل عند أهل الظاهر سبيل الإيمان بالله وبكتبه ورسله وسبيل الاعتبار بالكون وسبيل فهم الشرع ولكنه لا يملك الاقتراح على الله.
فكما لا يملك العقل باقتراحه تغيير سنة الله الكونية كأن يكون لزيد عين في قفاه أولى من وضع جميع العينين قدامه كذلك لا يملك الاقتراح على الله في شرعه، وسنة الله في كونه وفي شرعه لا تبديل لها.
والفارق بين داود وبين الرازي أن داود يتبع نصوص الشرع ويحرر مرادها، أما الرازي فيتعب نفسه في تحرير مراد أبي حينفة ومعروف عن أبي حنيفة ـ رحمه الله ـ أنه من أقل الأئمة إحاطة بنصوص الشرع إلا أن كثرة أتباعه منذ زعامة أبي يوسف من الفتن في المجتمعات الإسلامية والله المسؤول جل جلاله أن يعفوا عنه وعن متبعيه اجتهادًا منهم وأن يفيىء بعامة المسلمين إلى أحب الوسائل إليه في فهم دينه"أ. هـ."
ـ [الحمادي] ــــــــ [31 - May-2007, مساء 07:24] ـ
بارك الله فيك أخي أبا محمد
مكانة الإمام داود الظاهري معروفة، والجواب عما قيل في عدم الاعتداد به في الخلاف مقبول
لكن لا ينبغي أن يطعن في عالم عند دفاعنا عن آخر
فلتُنَاقَش مسألة الاعتداد بخلافه أو غيره من الظاهرية دون الغمز في مخالفيهم
نفع الله بك
(يُتْبَعُ)