فهرس الكتاب

الصفحة 13170 من 20085

وفي الصورة التي نتكلم عنها: كان إنزال المني مشروعًا؛ لأنه كان بين رجل وامرأة تربطهما علاقة زوجية صحيحة، فالبويضة من المرأة مُلَقَّحة من زوجها، وتلقيح البويضة من الزوج لا يعد من جملة المحرمات، وإنما عدم المشروعية هو في استخدام رحم الغير، فعدم المشروعية متعلق بإدخال البويضة الملقحة في رحم امرأة أخرى، ولا يشترط لثبوت النسب المشروعية أثناء الإدخال، كما تقدم في كلام الرملي ( [33] ) .

الفصل الثاني

في نسب المولود من ناحية الأم

إذا حدث ووقعت صورة الرحم البديل المتكلم عنها فإن الولد الناتج سينسب إلى صاحبة الرحم البديل لا إلى صاحبة البويضة المخصبة، وستترتب له كل أحكام الولد بالنسبة لأمه، والأم بالنسبة لولدها.

ويدل على ذلك أمور:

جَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا .. الآية [النحل: 78] ، وقوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ .. الآية} [لقمان: 14] ، وقوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا} [الأحقاف: 15] ، فبين الله تعالى في الآية الأولى أن التي ولدت وخرج منها الجنين هي التي تسمى أمًّا، وفي الآية الثانية أن التي تحمل الجنين هي التي تسمى أمًّا حقيقية، وينسب لها. وفي الآية الثالثة أن التي تحمل الولد كرهًا وتضعه كرهًا هي أمه.

ونوقش هذا الاستدلال بأن الأم الحقيقية على مر التاريخ ووقت نزول القرآن هي مجموعة الهيئة التي هي صاحبة الحمل والوضع وهي ذاتها وفي الوقت نفسه صاحبة البويضة.

فكل مولود له بأمه صلتان: صلة تكوين ووراثة، وأصلها البويضة. وصلة حمل وولادة وحضانة، وأصلها الرحم. فإطلاق الأم على التي حملت ووضعت فقط من غير أن تكون البويضة منها، إطلاق على غير الهيئة الكاملة لها وقت التنزيل ( [34] ) .

ثانيًا: أثبت القرآن الكريم صفة الأمومة للتي حملت وولدت، بأسلوب يدل على اختصاصها بها، كما في قوله تعالى: {لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} [البقرة: 233] ، والوالدة حقيقة في التي ولدت بالفعل. وكذلك قوله تعالى: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ} [المجادلة: 2] حيث صَرَّح تعالى أن الأم هي التي ولدت، وسلك أقوى طرق القصر، وهي: النفي والإثبات، فنفى الأمومة عن التي لم تلد الولد، وأثبتها للتي ولدت.

ثالثًا: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك"، فسمى صلى الله عليه وسلم التي يجمع الخلق في بطنها أمًّا ( [35] ) .

رابعًا: ما روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة اختصما في غلام، فقال سعد:"يا رسول الله هذا ابن أختي عتبة بن أبي وقاص عهد إلىّ أنه ابنه انظر إلى شبهه". وقال عبد بن زمعة:"هذا أخي يا رسول الله، ولد على فراش أبي من وليدته"، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى شبهًا بينًا بعتبة، فقال:"هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحَجَر، واحتجبي منه يا سَودة. فلم ير سَودة قط" ( [36] ) .

فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل الغلام ابنًا لزمعة مع ظهور أنه ليس ابنًا لزمعة، وجعل الحكم الولد للفراش، فالحقيقة العلمية ليست بالضرورة هي الحقيقة الشرعية؛ فالشرع يحكم بالظاهر والحقيقة علمها عند الله تعالى ( [37] ) .

مطلب

في علاقة الولد بالمرأة صاحبة البويضة

يتفرع على القول بأن الولد ينسب لصاحبة الرحم البديل بحث علاقته بالمرأة صاحبة البويضة، وللعلماء في حكمها قولان:

القول الأول:

أن المرأة صاحبة البويضة وإن لم تكن أمه شرعًا، فإنها ليست بأجنبية عنه، بل هي بمثابة الأم من الرضاع.

وذلك؛ لأن علة التحريم في الرضاع هي: الجزئية، أو شبهتها-كما هو مقرر عند الحنفية ( [38] ) -، فأقل ما يقال: إنّ هذا الوليد فيه جزئية من صاحبة البويضة، توجب حرمة الرضاعة.

وممن قال بهذا الرأي: مجمع الفقه الإسلامي، في دورته السابعة، المنعقدة بمكة المكرمة عام 1404هـ/ 1984م ( [39] ) .

القول الثاني:

أنه لا اعتبار للعلاقة بين الولد وبين المرأة صاحبة البويضة، وعملها هدرٌ، لا تترتب عليه أحكام.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت