فحينئذ خطب الشيخ في الجامع الأموي وأفتى بحرمة بيع السلاح للإفرنج لأنهم يستخدمونه في محاربة المسلمين. فعُزل الشيخ من الخطابة والإفتاء واعتقل مدة، ثم فك حبسه وألزمه السلطان بلزوم البيت، ومنعه من الإفتاء ليسترضي الفرنجة، فقالوا له:"لو كان هذا قسيسًا لغسلنا رجليه وشربنا مرقها".
(2) كان الملك الصالح أيوب يكثر شراء المماليك وأسكنهم جزيرة الروضة واعتمد عليهم في غقامة دولتهم بدولة المماليك، فعلم بذلك العز، وهو قاضي القضاة، فأرسل إليهم وأعلمهم أنه لايجوز تصرفهم ولا بيعهم ... إلخ وحالوا مساومة الشيخ لكنهم لم يستطيعوا إلى ذلك سبيلا، وقال نعقد لكم مجلسًا، وينادى عليكم للبيع لصالح بيت المال ثم يحصل العتق بطريق شرعي. فرفعوا الأمر إلى السلطان فراجع الشيخ فأبى، فأخبره أنه لا يعنيه هذا وليس من اختصاصه، فعزل الشيخ نفسه، وغادر القاهرة والناس في أثره، فركب السلطان إليه واسترضاه حتى رجع، ثم نادى عليهم واحدًا واحدا وأغلى ثمنهم، ثم الشتراهم الملك الصالح وأعتقهم.
(3) العز وبيبرس:
عند بيعة بيبرس قال له الشيخ: أنا أعرفك مملوك البندقدار، فأحضر له الظاهر مايثبت أن البند قدار وهبه للملك الصالح أيوب وأعتقه فتقدم الشيخ وبايعه.
وكان الظاهر يحترمه ويقدره، حتى قال السيوطي ـ رحمه الله ـ عن الظاهر بيبرس:"كان بمصر منعمًا تحت كلمة الشيخ عز الدين بن عبد السلام لا يستطيع أن يخرج عن أمره حتى أنه قال لما مات الشيخ: ما استقر ملكي إلا الآن".
ثناء العلماء عليه:
قال ابن العماد الحنبلي في"شذرات الذهب" (3/ 301) :وفيها أي سنة 660هـ توفى عز الدين شيخ الإسلام أبو محمد عبد العزيزبن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن الإمام العلامة وحيد عصره سلطان العلماء السُلمي الدمشقي ثم المصري الشافعي.
قال ابن تغري بردي في"النجوم الزاهرة" (7/ 208) : وفيها أي سنمة 660هـ توفى الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام عز الدين بن محمد بن عبدالعزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن بن محمد بن المهذب السلمي الدمشقي الشافعي المعروف بابن عبد السلام.
قال ابن كثير في"البداية والنهاية" (3/ 235) : وانتهت إليه رياسة الشافعية وقصد بالفتاوى من الآفاق.
قال ابن خلكان في"الديباج المذهب": الإمام العالم العلامة الملقب بسلطان العلماء.
قال ابن قاضي شهبة في"طبقات الشافعية"الشيخ الإمام العلامة وحيد عصره سلطان العلماء.
قال المقري في"نفح الطيب": شيخ الإسلام عز الدين.
قال النووي في"تهذيب الأسماء والصفات": الشيخ الإمام المجمع على إمامته وجلالته وتمكنه في أنواع العلوم وبراعته""
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في"مجموع الفتاوي": (15/ 4) : وكذلك رأيت في فتاوى الفقيه أبي محمد.
قال الإمام ابن القيم:"وقد اختلف في وجود هذه الرائحة من الصائم هل هي في الدنيا أو في الآخرة على قولين ووقع بين الشيخين الفاضلين أبي محمد [عز الدين] بن عبد السلام وأبي عمرو ابن الصلاح في ذلك تنازع"
قال الشيخ محمد رشيد رضا"ثم نقل الحافظ ابن حجر عن شيخ الإسلام العز بن عبد السلام إمام الشافعية في عصره."
قال الشيخ الألباني:"مساجلة علمية بين الإمامين العز وابن الصلاح": فهذه مساجلة علمية مفيدة جرت في القرن السابع الهجري بين الإمامين العالمين الكبيرين العزبن عبد السلام"."
أخلاقه:
(1) الزهد:
قال الداودي"وكان كل أحد يضرب به المثل في الزهد والعلم":
أ _ لما مرض الملك الأشرف مرض الموت وطلب الاجتماع به ليدعو له الطعام ويقدم له النصيحة اعتبر العز ذلك قربة، فذهب إليه ودعا له وأمره بإزالة المنكرات، وطلب منه الملك العفو والصفح قائلا: يا عز اجعلني في حل، قال الشيخ: أما محاللتك فإني كل ليلة أحالل الخلق وأبيت وليس لي عند أحد مظلمة، وأرى أن يكون أجري على الله، فأعطاه السلطان ألف دينار فردها وقال: هذه جلسة الله لا أكدرها بشيء من الدنيا.
ب ـ لما استقال العز من القضاء عند فتواه بيبيع الأمراء حمل أمتعته مع أسرته فلم تتجاوز حمل حمارٍ!!
(2) الورع:
عرض الظاهر عليه أن يجعل أي أبنائه شاء خلفًا له في منصبه بعد وفاته، فأبى فقال له الظاهر: من أين يعيش ولدك؟
قال: من عند الله، قال: نجعل له راتبا، قال: هذا إليكم.
(يُتْبَعُ)