فهرس الكتاب

الصفحة 13644 من 20085

أما محبتك للأصدقاء والأقرباء، فلأنها لوجه الله تعالى، فلا يُحول فراقهم ولا موتهم عن دوام الصحبة معهم، ودوام أخوتكم ومحبتكم ومؤانستكم؛ إذ تدوم تلك الرابطة الروحية والحب المعنوي الخالص، فتدوم بدورهما لذة اللقاء ومتعة الوصال .. ولكن إن لم يكن ذلك الحب لأجله تعالى ولا في سبيله، فان لذة لقاء يوم واحد يورث آلام الفراق لمائة يوم، بل إن ثانية واحدة من لقاء في سبيل الله تعالى تعدل سنة من العمر، بينما سنة من لقاء لأجل الدنيا الفانية لا تساوي ثانية البتة.

أما محبتك للأنبياء عليهم السلام وللعلماء المتقين والأولياء الصالحين، فان عالم البرزخ الذي هو عالم مظلم موحش في نظر أرباب الضلالة والغفلة تراه منازل من نور تنورت بأولئك المنورين، وعندها لا تستوحش من اللحاق بهم، ولا تجفل من عالم البرزخ، بل تشتاق إليه، وتحن إليه من دون أن يعكر ذلك تمتعك بالحياة الدنيا .. ولكن لو كان حبهم شبيهًا بحب أرباب المدنية لمشاهير الإنسانية، فان مجرد التفكر في فنائهم، وترمم عظامهم في مقبرة الماضي الكبرى، يزيد ألمًا على آلام الحياة، ويدفع المرء إلى تصور موته وزواله حيث يقول سأدخل يومًا هذه المقبرة التي ترمم عظام العظماء! يقوله بكل مرارة وحسرة وقلق .. بينما في المنظور الأول يراهم يقيمون براحة وهناء في عالم البرزخ الذي هو قاعة المستقبل ورواقه، بعد أن تركوا ملابسهم الجسدية في الماضي .. فينظر إلى المقبرة نظرة شوق وأنس وعندها سيدرك أن حقيقة الموت حياة ولكن أي حياة هي!.

ثم أن محبتك للأشياء الجميلة والأمور الطيبة، لما كانت محبة في سبيل الله، وفي سبيل معرفة صانعها الجليل بحيث يجعلك تقول: ما أجمل خلقه!. فان هذه المحبة في حد ذاتها تفكر ذو لذة ومتعة، فضلًا عن أنها تفتح السبيل أمام أذواق حب الجمال والشوق إلى الحسن لتتطلع إلى مراتب أذواق أسمى وارفع، وتريه هناك كنوز تلك الخزائن النفيسة فيتملاها المرء في نشوة سامية عالية؛ ذلك لان هذه المحبة تفتح آفاقًا أمام القلب ليحوّل نظره من آثار الصانع الجليل إلى جمال أفعاله البديعة، ومن جمال الأفعال إلى جمال أسمائه الحسنى، ومن جمال الأسماء الحسنى إلى جمال صفاته الجليلة، ومن جمال الصفات الجليلة إلى جمال ذاته المقدسة .. فهذه المحبة وبهذا السبيل إنما هي عبادة لذيذة وتفكر رفيع ممتع في الوقت نفسه.

أما محبتك للشباب، فلأنك قد أحببت عهد شبابك لكونه نعمة جميلة لله سبحانه، فلا شك انك ستصرفه في عبادته تعالى ولا تقتله غرقًا في السفه وتماديًا في الغي؛ إذ العبادات التي تكسبها في عهد الشباب إنما هي ثمرات يانعة باقية خالدة أثمرها ذلك العهد الفاني، فكلما جاوزت ذلك العهد وطعنت في السن حصلت على مزيد من ثمراته الباقية، ونجوت تدريجيًا من آفات النفس الأمارة بالسوء وسيئات طيش الشباب. فترجو من المولى القدير إن يوفقك إلى كسب المزيد من العبادة في الشيخوخة، لتكون أهلًا لرحمته الواسعة. وتربأ بنفسك أن تكون مثل أولئك الغافلين الذين يقضون خمسين سنة من عمر شيخوختهم وشيبهم أسفًا وندمًا على ما فقدوه من متاع الشباب في خمس أو عشر سنوات. حتى عبّر أحد الشعراء عن ذلك الندم والأسف بقوله:

ألا لَيتَ الشَبابَ يعودُ يومًا فاُخبره بِمَا فَعَلَ المَشِيبُ

أما محبتك للمناظر البهيجة ولا سيّما مناظر الربيع، فحيث إنها مشاهدة لبدائع صنع الله واطلاع عليها، فذهاب ذلك الربيع لا يزيل لذة المشاهدة ومتعة التفرج، إذ يترك وراءه معانيه الجميلة، حيث الربيع أشبه ما يكون برسالة ربانية زاهية تفتح للمخلوقات. فخيالك والزمن شبيهان بالشريط السينمائي يديمان لك لذة المشاهدة هذه، ويجددان دومًا تلك المعاني التي تحملها رسالة الربيع. فلا يكون حبك إذن مؤقتًا ولا مغمورًا بالأسف والأسى، بل صافيًا خالصًا لذيذًا ممتعًا.

أما حبك للدنيا، فلأنه حب لله ولأجله سبحانه، فان موجوداتها المثيرة للرعب والدهشة تصبح لك أصدقاء مؤنسين، ولأنك تتوجه إليها بالحب من حيث كونها مزرعة الآخرة، تستطيع أن تجني من كل شئ فيها ما يمكن أن يكون ثمرة من ثمار الآخرة، أو تغنم منها ما يمكن أن يكون رأس مال للآخرة.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت