فهرس الكتاب

الصفحة 13645 من 20085

فمصائبها إذن لا تخيفك وزوالها وفناؤها لا يضايقك. وهكذا تقضي مدة أقامتك فيها، وأنت ضيف مكرم .. ولكن لو كان حبك لها كحب أرباب الغفلة، فقد قلنا لك مرارًا: ستغرق نفسك وتفنى بحبٍ ساحقٍ، خانق، زائل، لا طائل وراءه ولا نفع!.

وأما نتائجها في الآخرة:

فالله سبحانه وتعالى، بإلوهيته الجليلة، ورحمته الجميلة، وربوبيته الكبيرة، ورأفته الكريمة، وقدرته العظيمة، وحكمته اللطيفة، قد زيّن هذا الإنسان الصغير بحواسَ ومشاعر كثيرة جدًا، وجمّله بجوارح وأجهزة وأعضاء مختلفة عديدة؛ ليُشعر طبقات رحمته الواسعة ويذيقه أنواع آلائه التي لا تعد، ويعرّفه أقسام إحساناته التي لا تحصى، ويُطلعه عبر تلك الأجهزة والأعضاء الكثيرة على أنواع تجلياته التي لا تُحد لألف اسم واسم من أسمائه الحسنى، ويحببها إليه، ويجعله يحسن تقديرها حق قدرها.

فلكل عضو من تلك الأعضاء الكثيرة ولكل جهاز وآلة منها وظائفها المتنوعة وعباداتها المتباينة كما أن لذائذها مختلفة وآلامها متغايرة وثوابها متميز.

فمثلًا: العين، تشاهد الجمال في الصور، وترى معجزات القدرة الإلهية الجميلة في عالم الشهود، فتؤدي وظيفتها بتقديم الشكر لله من خلال نظرتها ذات العبرة. ولا يخفى على أحد مدى ما فيها من لذةٍ وما يحصل من زوالها من ألم، لذا لا داعي لتعريف لذة الرؤية وألم فقدانها.

والأذن، تشعر بلطائف الرحمة الإلهية السارية في عالم المسموعات، بسماعها أنواع الأصوات ونغماتها اللطيفة المختلفة. فلها عبادة خاصة بها، ولذة تخصها، وثواب يعود إليها.

وكذا حاسة الشم التي تشعر بلطائف الرحمة الإلهية الفواحة من شذى أنواع العطور والروائح، فان لها لذتها الخاصة به ضمن أدائها شكرها الخاص، ولا شك أن لها ثوابًا خاصًا بها.

وحاسة الذوق التي في الفم أيضا. فهي تؤدي وظيفتها وتقدم بشكرها المعنوي بأنماط شتى من خلال إدراكها مذاقات أنواع الأطعمة ولذائذها.

وهكذا فلكل جهاز من أجهزة الإنسان ولكل حاسة وجارحة، ولكل لطيفة من لطائفه المهمة - كالقلب والروح والعقل وغيرها - وظائفها المختلفة، لذائذها المتنوعة الخاصة بها، فمما لا ريب فيه أن الخالق الحكيم الذي سخّر هذه الأجهزة لتلك الوظائف سيجزى كلًا منها بما يلائمها ويستحقها من جزاء في الاخرة.

واليك تفصيل نتائج الاخرة بربط ما سبق من نتائج في الدنيا وهي كالأتي:

فالنتيجة الاُخروية للمحبة المشروعة المكللة بالشكر للّه، نحو الأطعمة اللذيذة والفواكه الطيبة في الدنيا، هي تلك الأطعمة والفواكه الطيبة اللائقة بالجنة الخالدة .. كما ينص عليه القرآن الكريم. هذه المحبة، محبة ذات اشتياق واشتهاء لتلك الجنة وفواكهها. حتى إن الفاكهة التي تأكلها في الدنيا وتذكر عليها"الحمد للّه"تتجسم في الجنة فاكهة خاصة بها وتقدّم إليك طيبة من طيبات الجنة. فأنت تأكل هنا فاكهة، وهناك"الحمد للّه"مجسمة في فاكهة من فواكه الجنة .. وحيث انك تقدم شكرًا معنويًا لذيذًا برؤيتك الإنعام الإلهي والالتفات الرباني في الأطعمة والفواكه التي تتناولها هنا، فستسلم إليك هناك في الجنة أطعمة لذيذة وفواكه طيبة، كما هو ثابت في الكتاب والسنة، وبمقتضى الحكمة الإلهية ورحمتها الواسعة.

وأما نتيجة المحبة المشروعة نحو النفس، أي محبتها المبنية في الدنيا على رؤية نقائصها دون محاسنها، ومحاولة إكمالها، وتزكيتها ورعايتها بالشفقة والرأفة، ودفعها إلى سبيل الخير، هي إعطاء البارئ عز وجلّ محبوبين يليقون بها وبالجنة، فالنفس التي تركت في الدنيا هواها وشهواتها وتركت رغباتها في سبيل الله، وأستعمل ما فيها من أجهزة متنوعة على أفضل وجه وأتمه، سيمنحها البارئ الكريم سبحانه مكأفاة على هذه المحبة المشروعة المكللة بالعبودية لله بالحور العين المترفلات بسبعين حلة من حلل الجنة المتنوعة بأنواع لطائفها وزينتها، والمتجملات بسبعين نوعًا من أنواع الحسن والجمال حتى كأنهن جنة مجسمة مصغرة تنبض بالروح والحياة، لتقرّ بها عينُ النفس التي أطاعت الله وتهدأ بها المشاعر التي اطمأنت إلى أوامر الله .. فهذه النتيجة لا ريب فيها، إذ الآيات الكريمة تصرح بها يقينًا.

ثم ان نتيجة المحبة المتوجهة نحو الشباب في الدنيا، إي صرف قوة الشباب ونضارته في العبادة والتقوى، هي شباب دائم خالد في دار البقاء والنعيم المقيم.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت