ولما كانت محبتك للدنيا ليست لذلك الوجه المذموم الذي هو رأس كل خطيئة، وإنما هي محبة متوجهة إلى وجهَيها الآخرين اي إلى الأسماء الحسنى والآخرة، وقد عقدت لأجلهما أواصر المحبة معها وعمّرت ذينك الوجهين على نية العبادة، حتى كأنك قمت بالعبادة بدنياك كلها .. فلابد أن الثواب الحاصل من هذه المحبة يكون ثوابًا أوسع من الدنيا كلها، وهذا هو مقتضى الرحمة الإلهية وحكمتها.
ثم لان المحبة قد حصلت معها بمحبة الآخرة وكونها مزرعة لها، وبمحبة الله سبحانه، وكونها مرآة لإظهار أسمائه الحسنى .. فلاشك أن تقابل هذه المحبة بمحبوب أوسع من الدنيا كلها، وما هو الاّ الجنة التي عرضها السّموات والأرض، والتي لو كان من الممكن أن تتجول بسرعة الخيال في أقطار الأرض كلها، وتزور اغلب النجوم التي في السماء، لكنت تقول عندئذٍ: ان العالم كله لي. فلا يزاحم حكمك هذا ولا ينافيه وجود الملائكة والناس الآخرين والحيوانات معك في هذا العالم الواسع.
وكذلك يمكنك إن تقول: إن تلك الجنة لي، حتى لو كانت مليئة بالقادمين إليها.
وأما نتيجة الإيمان بالله ومحبته سبحانه هي:
رؤية جمال مقدس وكمال منزّه للذات الجليلة سبحانه وتعالى كما هي ثابتة أيضا من قوله (( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) ) {القيامة 22ـ23} هذه الرؤية التي تساوي ساعة منها ألف ألف سنة من نعيم الجنة، ذلك النعيم الذي ساعة منه تفوق ألف ألف سنة من حياة الدنيا الهنيئة، كما هو ثابت لدى أهل العلم بالاتفاق.
ويمكنك قياس مدى الشوق واللهفة التي تنطوي عليهما فطرة الإنسان لرؤية ذلك الجمال المقدس والكمال المنزّه، ومدى ما فيها من رغبة جياشة وتوق شديد وإلتياع لشهودهما، بالمثال الآتي:
كل إنسان يشعر في وجدانه بلهفة شديدة لرؤية سيدنا سليمان عليه السلام الذي أوتي الكمال ويشعر ايضًا بشوقٍ عظيم نحو رؤية سيدنا يوسف عليه السلام الذي اُوتي شطر الجمال. فيا ترى كم يكون مدى الشوق واللهفة لدى الإنسان لرؤية جمال مقدس وكمال منزّه، الذي من تجليات ذلك الجمال والكمال، الجنة الخالدة بجميع محاسنها ونعيمها وكمالاتها التي تفوق بما لا يحد من المرات جميع محاسن الدنيا وكمالاتها ..
اللّهم ارزقنا في الدنيا حبَّك وحبَّ ما يقرّبنا إليك، والاستقامة كما امرتَ، وفي الآخرة رحمتَك ورؤيتك.
(سبحانك لا عِلمَ لَنا الاّ ما عَلّمْتَنا إنَكَ أنَت العَليم الحَكيم)
اللّهمَ صلّ وَسَلم على مَن أرسَلته رَحمة للعالمين
وعلى آله وصحبه أجمعين. آمين