فهرس الكتاب

الصفحة 14808 من 20085

الثاني: أن تكون موجودة بفلاة من الأرض ثم بمصر المسلمون حولها المصر فهذه لا تزال والله أعلم.

الضرب الثاني: من البلاد حسبما أوضحه ابن القيم الأمصار التي أنشأها المشركون ومصروها ثم فتحها المسلمون عنوة وقهرا بالسيف قال: فهذه لا يجوز أن يحدث فيها شيء من البيع والكنائس وأما ما كان من ذلك قبل الفتح فهل يجوز إبقاءه أو يجب هدمه فيه قولان في مذهب أحمد وهما وجهان لأصحاب الشافعي وغيره.

أحدهما: تجب إزالته وتحرم تبقيته لأن البلاد قد صارت ملكا للمسلمين فلم يجز أن يقر فيها أمكنة شعار الكفر كالبلاد التي مصرها المسلمون ولقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا تصلح قبلتان ببلد) وكما لا يجوز إبقاء الأمكنة التي هي شعار الفسوق كالخمارات والمواخير. ولأن أمكنة البيع والكنائس قد صارت ملكا للمسلمين فتمكين الكفار من إقامة شعار الكفر فيها كبيعهم وإجارتهم إياها لذلك. ولأن الله تعالى أمر بالجهاد حتى يكون الدين كله له. وتمكينهم من إظهار شعار الكفر في تلك المواطن جعل الدين له ولغيره , وهذا القول هو الصحيح.

والقول الثاني: يجوز إبقاءه لقول ابن عباس رضي الله عنهما (أيما مصر مصرته العجم ففتحه الله على العرب فنزلوه فإن للعجم ما في عهدهم) ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح خيبر عنوة و أقرهم على معابدهم فيها ولم يهدمها. ولأن الصحابة رضي الله عنهم فتحوا كثير من البلاد عنوة فلم يهدموا شيئا منالكنائس التي بها , ويشهد لصحة هذا وجود الكنائس والبيع في البلاد التي فتحت عنوة , ومعلوم قطعا أنها ما أحدثت بل كانت موجودة قبل الفتح.

وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله أن لا تهدموا كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار , ولا يناقض هذا ما حكاه الإمام أحمد أنه أمر بهدم الكنائس فإنها التي أحدثت في بلاد الإسلام. ولأن الإجماع قد حصل على ذلك فإنها موجودة في بلاد المسلمين من غير نكي ر. وفصل الخطاب أن يقال: إن الإمام يفعل في ذلك وما هو الأصلح للمسلمين فإن كان أخذها منهم أو إزالتها هو المصلحة لكثرة الكنائس أو حاجة المسلمين إلى بعضها وقلة أهل الذمة فله أخذها أو إزالتها بحسب المصلحة وإن كان تركها أصلح لكثرتهم وحاجتهم إليها وغنى المسلمين عنها تركها. وهذا الترك تمكين لهم من الانتفاع بها لا تمليك لهم رقابها فإنها قد صارت ملكا للكفار وإنما هو انتفاع بحسب المصلحة فللإمام انتزاعها متى رأى المصلحة في ذلك ويدل عليه أن عمر بن الخطاب والصحابة معه أجلوا أهل خيبر من دورهم ومعابدهم بعد أن أقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها. ولو كان ذلك الإقرار تمليكا لم يجز إخراجهم عن ملكهم إلا برضى أو معاوضة.

ولهذا لما أراد المسلمون أخذ كنائس العنوة التي خارج دمشق في زمن الوليد بن عبد الملك صالحهم النصارى على تركها وتعويضهم عنها بالكنيسة التي زيدت في الجامع ولو كانوا قد ملكوا تلك الكنائس بالإقرار لقالوا للمسلمين: كيف تأخذون أملاكنا قهرا وظلما بل أذعنوا إلى المعارضة لما علموا أن للمسلمين أخذ تلك الكنائس منهم وأنها غير ملكهم كالأرض التي هي بها، فبهذا التفصيل تجمع الأدلة وهو اختيار شيخنا.

ويدل عليه فعل الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من أئمة الهدى وعمر بن عبد العزيز هدم منها ما رأى المصلحة في هدمه وأقر ما رأى المصلحة في إقراره وقد أفتى الإمام أحمد المتوكل بهدم كنائس السواد وهي أرض العنوة.

الضرب الثالث: من البلاد ما فتح صلحا قال ابن القيم فيه وهذا نوعان:

أحدهما: أن يصالحهم على أن الأرض لهم ولنا الخراج عليها أو يصالحهم على مال يبذلونه وه الهدنة فلا يمنعون من إحداث ما يختارونه فيها لأن الدار لهم كما صالح رسول الله صلى اله عليه وسلم أهل نجران ولم يشترط عليهم أن لا يحدثوا كنيسة ولا ديرًا.

النوع الثاني: أن يصالحهم على أن الدار للمسلمين ويؤدون الجزية إلينا، فالحكم في البيع والكنائس على ما يقع عليه الصلح معهم من تبقية وإحداث وعمارة لأنه إذا جاز أن يقع الصلح معهم على أن الكل لهم جاز أن يصالحوا على أن يكون بعض البلد لهم والواجب عند القدرة أن يصالحوا على ما صالحهم عليه عمر رضي الله عنه ويشترط عليهم الشروط المكتوبة في كتاب عبد الرحمن بن غنم (أن لا يحدثوا بيعة ولا صومعة راهب ولا قلاية) فلو وقع مطلقا من غير شرط حمل على ما وقع عليه صلح عمر وأخذوه بشرطه لأنها صارت كالشرع فيحمل مطلق صلح الأئمة بعده عليها.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت