جواز الزيادة من دلالتها على جواز الإنقاص كما سيتبين:
إذ من المعلوم أن رمضان له خصوصيه زائدة عن غيره في الإكثار من العبادات، ونوافل الصلوات، فقد ثبت عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل العشر يجتهد فيها مالا يجتهد في غيرها"، وفي الصحيح عنها:"كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله", وعن علي مثله, وفيهما دليل واضح على أنه كان يزيد في العشر الأواخر على عادته، يؤكد ذلك ما خرجه الترمذي (794) عن عيينة بن عبد الرحمن حدثني أبي قال: ذكرت ليلة القدر عند أبي بكرة فقال: ما أنا ملتمسها لشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في العشر الأواخر فإني سمعته يقول:"التمسوها في تسع يبقين أو في سبع يبقين أو في خمس يبقين أو في ثلاث أواخر ليلة", قال: وكان أبو بكرة يصلى في العشرين من رمضان كصلاته في سائر السنة فإذا دخل العشر اجتهد", هذا وقد جاءت عدة سنن قولية تؤكد أن صلاة القيام من النوافل المطلقة التي لا عد فيها ولا عزمة:
فخرج مسلم 174 عن أبي هريرة قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة فيقول:"من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه, فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدرا من خلافة عمر على ذلك","
وعن عبد الله بن سلام وابن عمرو وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام» ،
وعن أبي أمامة الباهلي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو مقربة لكم إلى ربكم، ومكفرة للسيئات ومنهاة عن الإثم»
وخرج مسلم من حديث ربيعة بن كعب الأسلمي قال: كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فآتيه بوضوئه وحاجته فقال لي: سل, فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة, قال: أو غير ذلك؟ قلت هو ذاك, قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود", وخرج نحوه من حديث ثوبان وأبي الدرداء وزاد:"فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة"."
ولأبي داود (1314) عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"مامن امرىء تكون له صلاة بليل يغلبه عليها نوم إلا كتب له أجر صلاته وكان نومه عليه صدقة", وللنسائي 1785 عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من كانت له صلاة صلاها من الليل فنام عنها كان ذلك صدقة تصدق الله عز وجل عليه وكتب له أجر صلاته", وهو صحيح.
ولابن ماجة 1344 عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه و سلم:"من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم فيصلي من الليل فغلبته عينه حتى يصبح كتب له ما نوى, وكان نومه صدقة عليه من ربه", ولعل الموقوف أصح.
وعن عمر مرفوعا: من نام عن حزبه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل", والموقوف أصح."
وصح عن أم حبيبة أم المؤمنين تقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"من صلى ثنتي عشرة ركعة في ليله ونهاره غير المكتوبة بنى الله له بيتا في الجنة".
وعن أبي أمامة قال: جاء رجل إلى النبي فقال: أي الصلاة أفضل؟ فقال:"جوف الليل الأوسط", قال: أي الدعاء أسمع؟ قال: دبر الصلوات المكتوبات","
وقد زعم زاعمون أن حديث عائشة رضي الله عنها السابق مقيد لهذه الأحاديث فيحمل المطلق على المقيد وهذا خطأ بين لوجوه: أحدها أنه لم يقل بهذا أحد من السلف ولا فهم أحد منهم بهذا الفهم وما كان هذا شأنه فحريّ أن لا يُلتفت إليه, والوجه الثاني أن لفظ الحديث جاء بصيغة الشرطية:"من قام رمضان .. من أتى فراشه .. , وهذا من صيغ العموم باتفاق الأصوليين, ولفظ القيام شامل لركعة فما فوقها بلا حصر, وقد روي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرغب في قيام الليل حتى قال ولو بركعة", فعُلم بهذا أن حديث عائشة في الإحدى عشرة ركعة إنما هو جزء من أفراد العموم, فلا يعد تخصيصا له اتفاقا, لأنه مجرد فعل رأته أمنا رضي الله عنها, وقد حدثت بما رأت, وحدث غيرها بأكثر, وجاءت أحاديث أخرى تؤكد صحة مذهب السلف وهي صريحة في المطلوب, وكلها تحث عموم الأمة على مطلق القيام, وإن كان ذاك فعله,
(يُتْبَعُ)