فهرس الكتاب

الصفحة 15045 من 20085

قال: يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت نريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يتداوى منه - أو كما قال له - حتى إذا فرغ عتبة.

قال له النبي صلى الله عليه وسلم:"أفرغت يا أبا الوليد؟"

قال: نعم!

قال: اسمع مني

قال: افعل!

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حم تنزل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون) فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأها فلما سمع بها عتبة أنصت لها وألقى بيديه خلفه أو خلف ظهره معتمدا عليها ليسمع منه حتى انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة فسجدها ثم قال:"سمعت يا أبا الوليد؟"

قال: سمعت.

قال:"فأنت وذاك"ثم قام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به.

فلما جلسوا إليه قالوا ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال ورائي أني والله قد سمعت قولا ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا الكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي.

خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه واعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ [عظيم] ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به.

قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه.

قال: هذا رأيي لكم فاصنعوا ما بدا لكم. ( [2] ( http://www.4muhammed.com/vb/newthread.php?do=newthread&f=20#_ftn2 ) )

· وقفات مع هذا الموقف الكبير من أعظم مخلوق على وجه الأرض

الوقفة الأولى: الحيرة والثبات

فإن الذي دعا صناديد قريش إلى دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يكون ملكا عليهم أو يجمعوا له الأموال ليكون أغناهم، أو يكون صاحب الرأي والمشورة فيه تحيرهم في ثنيه عن دعوته وتبليغ رسالة الله تعالى. وأمام هذا الإصرار العجيب الذي لم يروه من قبل رأوا أن يجربوا معه هذه الوسيلة، وهو نوع من الإغراء والمكر والخديعة.

الوقفة الثانية: حدة الذكاء التي كان يتميز بها أهل قريش

فإن الوليد لم يذم النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة ولا صرح بذمه؛ وإنما استعمل من الألفاظ التي توصل مفهوما للسامع أنهم مظلومين وأنه الظالم بفعله وأنه هو المتعدي عليهم لما قال له: يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت من السطة في العشيرة والمكان في النسب، وأنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم.

فبدأ بالمدح وانتهى بالذم. وهكذا يفعل أعداء الإسلام في كل عصر مع المسلمين وأصحاب المكانة. فهم ينفرون منهم الناس فيقولون مثلا: هم علماء أو عباد أو صالحين ولكن!! يتشددون ويغالون وا وا، وهذا ليس من الإسلام؛ فالإسلام دين يسر وسماحة!!!

هكذا يستطيع الشيطان الخبيث أن يستخدم من الشرع من يهدم به القائمين عليه وينفر الناس منهم وبالتالي من الشرع.

الوقفة الثالثة: المستفاد من حوار النبي صلى الله عليه وسلم مع عتبة بن ربيعة:

عند النظر إلى هذا الحوار نجد فيه كثير من الآداب التي يجب على المسلم التحلي بها عند حواره مع مخالفه منها:

1 ـ حسن الاستماع حتى يفرغ المخالف من كلامه نهائيا، فلربما أجمل كلامه في بدايته وسوف يفصل في نهايته، أو ربما لم يصرح بمراده في بداية الكلام، وسيكون ذلك في آخره، فحسن الاستماع يسهل كثيرا من الرد على المخالف وتقريب وجهات النظر.

وهذا واضح في إنصات النبي لعتبة حتى فرغ، ثم قال له: أفرغت يا أبا الوليد؟

وهذا دلالة على عدم مقاطعة النبي لعتبة في حديثه.

2 ـ حسن الأدب في المخاطبة ولو كان المتحدث كافرا، فحسن الأدب مخجلة للخصم عن أن يتطاول بالكلام، أو يعاند في قبول الرد.

ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لعتبة: قُلْ يَا أَبَا الْوَلِيدِ أَسْمَعُ.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت