فهرس الكتاب

الصفحة 15177 من 20085

زاعِمِينَ أَنَّ قَوْلَهُمْ هذا مُوَافِقٌ للشَّرْعِ؛ مُسْتَدِلِّينَ ببعض النُّصوصِ الفقهية، وبالقياس على مسألة (التَّتَرُّس) ، و (التَّبْيِيتِ) ، و (التَّحْرِيقِ) ( [2] ) -المذكورة في بعض الكتب الفقهية-!!

فهل هذا الكلام صحيحٌ، موافِقٌ للشَّرْعِ؟

الجواب

أسلحةُالدمارِ الشامل تُطلَق -في الاصطلاحِ العسكريِّ -ويُرادُ بها: صِنفٌ مِن الأسلحةِ غير التقليدية شديدة الفَتْكِ، تُستَخدَم فتُسبِّبُ دمارًا هائلًا في المنطقةِ الُمصابة، سواءٌ في ذلك الكائناتُ الحيَّةُ مِن البَشر والحيواناتِ، والبيئةُ المُحيطة -أيضًا-.

وتَنقسمُ هذه الأسلحةُ إلى ثلاثةِ أصناف:

-أسلحة ذَرِّيَّة؛ كالقنبلة النَّووية، والقنبلة الهَيْدْرُوجِينِيَّة، والقنبلة النَّيْتْرُونِيَّة.

وهذا النوعُ مُصَمَّمٌبحيث يَنْشُرُ موادَّ إشعاعيةً تُدَمِّرُ البشرَ والمنشآتِ، وتُلَوِّثُ مُدُنًا بأَكْمَلِهَا لِمُدَدٍ زمنيةٍ طويلة، وقد يَقْتَصِرُ بعضُها على تدميرِ البشرِ -فقط- دون المنشآت.

-وأسلحة كيماويَّة؛ كالغازاتِ الحربيَّةِ ذات الاستعمالات المتعدِّدة، والموادِّ الحارقة، ويكونُ لها تأثيرٌ بَالِغُ الضرر -قد يصلُ إلى الموت- على أيِّكائنٍ حيٍّ يتعرَّضُ لها، كما تصيبُ -أيضًا- الزراعاتِ والنباتاتِ.

وغالبًا ما تكون هذه الموادُّ السَّامَّةُ في حالةٍ غازيَّةٍ -أو سائلةٍ- سريعة التبخُّرِ، ونادرًا ما تكون صلبةً.

-وأسلحة بَيُولُوجِيَّة؛ ويُقْصَدُ بها: الجراثيمُ والفيروساتُ التي تُستَخدَمُ لنشر الأمراض الوَبَائِيَّةِ الخطيرة في صفوف العَدُوّ، وإنزال الخسائر بمَوَارِدِهِ الحيوانية أو الزراعية.

واتخاذُ الدول الإسلامية مثلَ هذه الأسلحة على سبيل رَدْعِ المُعْتَدِين عنها مطلوبٌ شرعي:

ودليلٌ ذلك قولُ الله -تبارك وتعالى-: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60] .

قال العلاَّمةُ الألُوسِيُّ في «تفسيره» : «أيْ: مِن كُلِّ مايُتَقَوَّى به في الحرب -كائنًا ما كان-» . اهـ [ (10/ 24) ط. دار إحياء التراث العربي] .

وقد أَمَرَ اللهُ -تعالى- في الآية سَالِفَةِ الذِّكْرِ -برَدْعِ الأعداء؛ حتى لا تُسَوِّلَ لهم أنْفُسُهُم الاعتداءَ على المسلمين.

والرَّدْعُ -كما هو مبدأٌ شرعيٌّ يَظْهَرُ في الحدودِ والتعازيرِ-؛ فهو -أيضًا- مبدأٌ سياسيٌّ مُعْتَبَرٌ تعتمدُهُ الدُّوَلُ في سياساتِها الدِّفاعيَّة -كما تَقَرَّرَ في عِلْمِ الاستراتيجيات العسكريَّة-.

فاتِّخاذُ هذه الأسلحةِ وتحصيلُها مِن مُكَمِّلاتِ ذلك المطلوب، ومُكَمِّلُ المطلوبِ مطلوبٌ، والإذنُ في الشيء إذنٌ في مُكَمِّلات مقصودِه.

ولا يَخْفَى ما في ذلك مِن فائدةِ خَلْقِ التوازنِ الاستراتيجيِّ والعسكريِّ المُتَبَادَلِ بين الدُّوَلِ؛ إذ يُشَكِّلُ ذلك عاملَ إثناءٍ للدولة التي قد تُسَوِّلُ لها نَفْسُهَا أنْ تُقْدِمَ على عَمَلٍ عِدائيٍّ ضِدَّ بلدٍ مسلمٍ، مِمَّا يُجَنِّبُ -في النهاية- فَرَضِيَّةَ الدخولِ في حربٍ غيرِ مُرادةٍ -أصلًا-.

هذا مِن حيث تحصيلُ هذه الأسلحةِ، واتخاذُها على سبيلِ التخويف ورَدْعِ المُعْتَدِين.

وفَرْقٌ بين الاتخاذِ المقصودِ به الرَّدْعُ، وبين المُبادَأَةِ بالاستخدام ( [3] ) .

والصورةُ المسؤولُ عنها فَرْضُها البَدْءُ بالاستخدام، وأنَّ هذا الاستخدامَ مَبْنَاهُ على بعضِ الاجتهاداتِ الفرديَّةِ، أو الرُّؤَى التي تَخُصُّ بعضَ الطوائف والفِرَق والجماعات!!

وهذا مَمْنُوعٌ شَرْعًا.

والقَوْلُ بجَوَازِهِ ونسبتُه إلى الشريعة وإلى علمائها: كَذِبٌ وزُورٌ، وافتراءٌ على الشرعِ والدِّينِ.

ويَدُلُّ على هذا أمورٌ:

أولًا: أنَّ الأصلَ في الحربِ ألاّ تكونَ إلاّ تحت رايةِ وليِّ الأمرِ المسلمِ ( [4] ) ، وأنَّ شأنَها مَوْكُولٌ إلى اجتهادِهِ، وأنهُ يجبُ على الرَّعِيَّةِ طاعتُه في ذلك.

وما وُكِّلَ ذلك إليه إلاَّ لمعرفتِه واستشرافِه على الأمورِ الظاهرةِ والخفيَّةِ، وإدراكِهِ لمآلاتِ الأفعالِ ( [5] ) ونتائجِها، ومصالحِ رعيتِه.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت