فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ولهذا كان إعلانُ الحربِ، وعَقْدُ الاتفاقاتِ العامَّة -أو الدوليَّة-، مُوْكَلًا إليه بمُجرَّدِ تنصيبِهِ، وهو بِدَوْرِهِ لا يُصْدِرُ قرارًا بمجرد الهوى والتشهِّي ( [6] ) ، بل لا يفعلُ إلا بَعْدَ مراجعة أهلِ الاختصاصِ في كُلِّ مجالٍ له علاقةٌ بقراره -مِن الخبراءِ الفنِّيِّين والعسكريِّين والمستشارين السياسيِّين-؛ الذين يُعَدُّون -في النهايةِ- مُشاركينَ في صُنْعِ القرارِ الذي لايُمْكِنُ أنْ يَستقِلَّ وَلِيُّ الأمرِ به دُون مشاورتهم.
واستقلالُ فردٍ -أو أفرادٍ- مِن عُموم المسلمين بتقريرِ استعمالِ مثلِ هذهِ الأسلحةِ ليس افْتِئَاتًا على وليِّ الأمرِ -فقط-، بل هو افْتِئَاتٌ على الأُمَّةِ نَفْسِهَا!
إذْ إنَّ هؤلاء قد أَعْطَوْا أنْفُسَهُم حقَّ اتخاذِ قراراتٍ تتعلَّقُ بمصيرِ الأُمَّةِ -ككُلٍّ- دون أنْ يَرْجِعُوا إليها وإلى أهلِ الحَلِّ والعَقْدِ فيها، وذلك في أمورٍ تُعَرِّضُ البلادَ والعبادَ إلى أخطارٍداهِمةٍ.
قال العلاَّمةُ البَهُوتِيُّ في «شرح مُنتهى الإرادات» :
«ويَحرُمُ غَزوٌ بلا إذنِ الأميرِ؛ لرجوعِ أمرِ الحربِ إليهِ- لعِلمِهِ بكَثرةِ العَدُوِّ وقِلَّتِهِ، ومكامِنِهِ، وكَيْدِهِ-؛ (إلاّ أنْ يُفاجئَهم عَدُوٌّ) كُفَّارُ (يخافون كَلَبَهُ) -بفتح اللام- أيْ: شَرَّه وأَذَاهُ، فيجوزُ قتالُهم بلا إِذْنِهِ ( [7] ) ؛ لِتَعَيُّن المصلحة فيه» . اهـ ( [8] ) .
ثانيًا: ما في ذَلِكَ مِن خَرْقٍ ( [9] ) للاتفاقاتِ والمواثيقِ والعهودِ الدَّوْلِيَّةِ التي رَضِيَتْهَا الدُّولُ الإسلاميةُ، وانضمَّتْ إليها، وأَقَرَّتْهَا بمَحْضِ إرادتِها وباختيارِها؛ توافُقًا مع المُجتمعِ الدَّوْلِيِّ؛ لِتَحْقِيقِ الأمنِ والسِّلْمِ ( [10] ) الدَّوْلِيَّيْنِ بقَدْرِ التزامِ الدولِ الموقِّعةِ عليها بها.
وقد قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُود} [المائدة:1] :
والعُقود: جمع (عَقد) ، والعَقد يُطلق على كُلِّ التزامٍ واقِعٍ بين جانبَيْنِ في فِعْلٍ ما.
قال شيخُ الإسلامِ التونُسيُّ العلاَّمةُ ابنُ عاشور -مُعَلِّقًا على هذه الآية في «تفسيرِه» :
«التعريفُ في (العُقُودِ) تعريفُ الجنسِ للاستغراقِ؛ فشَمَلَ العقودَ التي عاقَدَ المسلمون عليها ربَّهم، وهو الامتثالُ لِشريعتِه ...
ومِثْلُ ما كان يُبَايعُ عليه الرسولُ -صلى الله عليهِ وآلِهِ وسلَّم- المؤمنينَ أنْ «لا يُشرِكُوا بالله شيئًا، ولا يَسْرِقُوا، ولا يَزْنُوا .. » ( [11] ) ...
وشَمَلَ العُقودَ التي عاقد المسلمونَ عليها المشركينَ ... ويشملُ العقودَ التي يتعاقدُها المسلمون بينهم». اهـ ( [12] ) .
وروى التِّرمذيُّ ( [13] ) عن عمرِو بنِ عوفٍ المُزَنِيِّ -رضي الله عنه-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: «المسلمونَ على شُرُوطِهم؛ إلاَّ شرطًا حَرَّمَ حَلالًا، أو أَحَلَّ حَرَامًا» .
قال الإمامُ الجَصَّاصُ:
«وهو عُمومٌ في إيجابِ الوَفاءِ بجميعِ ما يَشرُطُ الإنسانُ على نفسِهِ ما لمْ تَقُمْ دِلالَةٌ تُخَصِّصُهُ» . اهـ ( [14] ) .
وروى البخاريُّ ( [15] ) عن عليٍّ -رضي الله عنه-، أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: «ذِمَّةُ المسلمينَ واحدةٌ، يَسعى بها أدناهُم؛ فمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا؛ فعليهِ لعنةُ الله والملائكةِ والناسِ أجمعين، لا يُقبَلُ منه صَرْفٌ ولا عَدْلٌ» :
وقولُه -صلى الله عليه وآله وسلم-: «ذِمَّةُ المسلمين» ، أي: عهدُهم.
وقولُه: «يسعى بها أدناهم» ، أي: يتولَّى ذِمَّتَهُم أَقَلُّهُم عددًا؛ فإذا أعطى أحدُ المسلمينَ عهدًا لمْ يكنْ لأحدٍ نَقْضُهُ؛ فما بالُنا بِوَليِّ الأمرِ؟!
وقولُه: «مَن أخْفَرَ» ، أي: نَقَضَ العهدَ.
وقولُه: «صَرْفٌ ولا عَدْلٌ» ، أي: لا فَرْضًا ولا نَفْلًا.
والمعنى: لا يَقْبَلُ الله -تعالى- منه شيئًا مِن عمله.
وروى البخاريُّ في «صحيحِهِ» ( [16] ) عن عبدِ الله بنِ عمرٍو -رضي الله عنهما-: أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: «أربعٌ مَن كُنَّ فيه؛ كانَ مُنافقًا خالصًا، ومَنكانتْ فيه خَصْلَةٌ مِنهنَّ؛ كانت فيه خَصلةٌ مِن النفاق حتى يَدَعَهَا: إذا اؤْتُمِنَ خانَ، وإذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا عاهَدَ غَدَر، وإذا خَاصَمَ فَجَر» .
(يُتْبَعُ)