وهذه الفتاة التي يحكي عنها الشيخ"طه عفيفي": أنه التقى بقدر الله في القطار من محطة قطار طنطا، وقد وجدها يجرها الجنود وبعض جنود من دولة أخرى، يخطو خلفها شيخ عجوز، قال: فسألتُ الشيخ فعلمت أنه رجل أوروبي وهو وابنتيه يسكنان مصر، وكان لهم جيرة مسلمون تتردد عليهم الفتاة.
قال الشيخ: فتزيت بزيهم والتزمت صلاتهم، وكانت تسمى"روز"؛ فسمت نفسها فاطمة، فنهرها وزجرها فأبت إلا إعراضًا وشماسًا. فرفع شكواه إلى معتمد دولته فأرسل في طلبها.
قال الشيخ طه عفيفي:
"فقربت منها وهمست في أذنها فقلت: يا بنيتي: ما اسمك؟"
فقالت: فاطمة.
فقلت: ومما تخافين؟؟
فقالت: أخاف أن يُلقي بي في مكان فيحال بيني وبين صلاتي ونسكي وعبادتي!!
فقلت: يا بنيتي ... يا فاطمة: إن حكم الإسلام على القلوب، فهلا أخفيت دينك الجديد وأظهرت بين يدي معتمد الدولة بدينك القديم فيدعونك لنسكك وعبادتك؟!
قال: فنظرت إلي نظرة تضاءلت دونها، وقالت وهي تذرف الدمع بعينها: دون ذلك حز الأعناق، وتفصيل المفاصل، وإنه إن أطاعتني نفسي عصاني لساني!!
وهؤلاء كثر؛ فضلًا عن الطاعنون في السن الذين يلقنون الدنيا دروسًا في الثبات على المبدأ والعقيدة؛ ليتجلى الطريق الذي أسسه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين سأله بعض أصحابه: دلني على عمل إذا عملته أدخلني الجنة. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (قلْ آمَنْتُ بالله ثُمَّ استَقِمْ) (رواه مسلم) .
يا بنيتي: أبشري بخيري الدنيا والآخرة، فكم من دعوات من المؤمنين والمؤمنات أن يثبتك الله، ويرفع من شأنك.
وسيذكر التاريخ أن ابنة حديثة السن تدخل حلبة النزال بين الحق والباطل، وميدان الدفاع عن العقيدة والمبادئ، ولكِ الجزاء الحسن في الآخرة.
قال الله -تعالى-: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) (النحل:97) .
وأقول: يا من تكره الحجاب: ما هكذا تورد يا سعد الإبل! فالله حافظ دينه؛ قال الله -تعالى-: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة:33) ، وقال الله -تعالى-: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9) .
وقال -صلى الله عليه وسلم-: (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدرٍ ولا وبرٍ الا أدخلهالله هذا الدين، بعزّ عزيز أو بذلّ ذليل، عزًا يعز الله به الإسلام، وذلًا يذل اللهبه الكفر) (رواه أحمد والحاكم، وصححه الألباني) .
وإن الله ليعامل من يحارب العفة والطهر بنقيض قصده، وقد وقع والله ما كنت تحذر؛ فهذه الجموع ترتعد خوفًا من الله، وخجلًا من موقفك، ومناصرة للضعيفة الصغيرة الحديثة السن، فنسأل الله لها الثبات.
الكلمات البسيطة من الفتاة الضعيفة أحيت في الأمة معاني الانتصار للفضيلة! فجزاها الله كل خير.
والحجاب عبادة ومن الدين، وليس عادة ... رغم أنف الكارهون للفضيلة، والقول بغير ذلك ضرب من الخيال لا يمت للواقع، ولا للشرع بصلة.
فمن قال: النقاب عادة لا يمت للدين بصِلة! قوله باطل، مخالف لقول إجماع الأمة، فالإجماع على مشروعية النقاب وفضيلته لم يختلف فيه أحد من أهل العلم، حتى المنكر نفسه فهو يؤكد ذلك في كتابه:"التفسير الميسر"، الذي يُدرَّس في المعاهد الأزهرية.
واختلف أهل العلم في وجوبه: فمن قائل بالوجوب، وهذا قول الأحناف فقد جاء في الدر المختار:"يعزر المولى عبده، والزوج زوجته، على تركها الزينة، أو كلمة ليسمعها أجنبي، أو كشفت وجهها لغير المحرم".
وجاء فيه قول الطحاوي:"وتمنع المرأة الشابة من كشف الوجه بين الرجال لا لأنه عورة، بل لخوف الفتنة كمسه، وإن أُمن الفتنة لأنه أغلظ".
وقال ابن عابدين في شرح المنتقى:"تمنع من الكشف لخوف أن يرى الرجال وجهها فتقع الفتنة".
وفي المنتقى:"تمنع الشابة من كشف وجهها؛ لئلا يؤدي إلى الفتنة، وفي زماننا المنع واجب، بل فرض لغلبة الفساد".
المذهب المالكي:
قال العلامة صالح عبد السميع الآبي الأزهري في جواهر الإكليل:"وعورة الحرة مع رجل أجنبي مسلم جميع جسدها إلا الوجه والكفين؛ فإن خيفت الفتنة فمشهور المذهب وجوب سترها".
(يُتْبَعُ)