فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
واختلف العلماء في معنى الحديث. فقال بعضهم أن للام في الحديث هي"لام التعليل". أي إن كانت نيتها أن تفتن الرجال بريحها فهي آثمة، وإلا فلا. ولذلك رآى ابن رشد الجد عدم حرمة خروج المرأة متعطرة، إلا إذا كانت نيّتها التعرّض للرجال. وقال البعض: بل هي"لام العاقبة"، كاللام في قوله تعالى: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوًا وحزنًا} [القصص: 8] . فالتقاط فرعون موسى r كان عاقبة له. واحتجوا كذلك بما رواه الدارمي في سننه (2>362) : أخبرنا أبو عاصم عن ثابت بن عمار عن غنيم بن قيس عن أبي موسى: «أيما امرأة استعطرت ثم خرجت فيوجد ريحها فهي زانية وكل عين زان» .
فلم يأت هنا الحديث مع اللام. وأجيب على هذا بأن هذا الحديث موقوف غير مرفوع، لا حجة فيه. فلو صح إسناده لكان عِلّةً قادحة للحديث المرفوع!
واحتج من أجاز للمرأة بأن تتطيب بما أخرج أبو داود في سننه (2>166) : حدثنا الحسين بن الجنيد الدامغاني (ثقة) حدثنا أبو أسامة (حماد بن أسامة، ثقة ثبت) قال أخبرني عمر بن سويد الثقفي (جيد) قال حدثتني عائشة بنت طلحة (ثقة حُجة) أن عائشة أم المؤمنين t حدثتها قالت: «كنا نخرج مع النبي r إلى مكة، فنضمد جباهنا بِالسُّكِّ الْمُطَيَّبِ عند الإحرام. فإذا عرقت إحدانا، سال على وجهها. فيراه النبي r فلا ينهاها» . ولذلك قال القفّال في"حلية العلماء" (3>235) ما نصه: «منصوص الشافعي رحمه الله في عامة كتبه أن: حكم المرأة في استحباب التطيّب للإحرام كحكم الرجل» .
وزعم بعض المتشدّدين بأن هذا محمولٌ على أن ذلك الطيب ليس له رائحة!! وهو قولٌ مخالفٌ للغة العرب. في المعجم"المحيط": «السُّكُّ: ضَرْبٌ من الطّيب يركَّبُ من مسكٍ ورامكٍ» . في"القاموس المحيط": «طِيبٌ يُتَّخَذُ من الرامَكِ مَدْقَوقًا مَنْخولًا مَعْجونًا بالماءِ. وُيعْرَكُ شديدًا، ويُمْسَحُ بدُهْنِ الخَيْرِيّ لئلاَّ يَلْصَقَ بالإِناءِ. ويُتْرَكُ ليلةً، ثم يُسْحَقُ المِسْكُ، ويُلْقَمُه، ويُعْرَكُ شديدًا، ويُقَرَّصُ. ويُتْرَكُ يَومينِ، ثم يُثْقَبُ بمسَلَّةٍ، ويُنْظَمُ في خَيْطِ قِنَّبٍ، ويُتْرَكُ سَنةً. وكلما عَتُقَ، طابتْ رائحتُهُ» . وقال السيوطي في الجامع الصغير (1>227) : «سُكّة: طيب يتخذ من الرامِك. شيء أسود يخلط بمسك ويفرك ويقرص ويترك يومين، ثم ينظم في خيط. وكلما عتق عبق. كذا في القاموس» . فهذا صريحٌ جدًا بأن السُّكّ المطيَّب له رائحة مسكيّة عابقة!
وأجاب عنه من يرى تحريم تطيب المرأة لغير زوجها بأحاديث ضعيفة منها: ما أخرجه الترمذي (5>107) عن رجلٍ مجهولٍ من الطُفَاوَةَ لم يُسَمّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله r: « طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه. وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه» . وهذا ضعيفٌ لا أصل له. وأخرج كذلك من طريق قتادة عن الحسن عن عمران بن حصين قال: قال لي النبي r: « إن خير طيب الرجل ما ظهر ريحه وخفي لونه. وخير طيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه. ونهى عن ميثرة الأرجوان» . وهذا الحديث منقطع ضعيف. ودلالة ضعف هذا الحديث قول الترمذي: «هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه» . وقال المنذري: «الحسن لم يسمع من عمران بن حصين» . وفي لفظ آخر أخرجه أبو داود (4>48) بنفس الإسناد الضعيف: «لا أركب الأرجوان، ولا ألبس المعصفر، ولا ألبس القميص المكفف بالحرير. ألا وطيب الرجال ريح لا لون له. ألا وطيب النساء لون لا ريح له» . وكل الأحاديث التي جاءت في النهي عن لبس الأحمر لا تصح.
وأخرج ابن خزيمة في صحيحه (3>92) والبيهقي في سننه (#5158) من طريق الأوزاعي، قال حدثني موسى بن يسار (مرسلًا) عن أبي هريرة قال: مرّت بأبي هريرة امرأة وريحها تعصف، فقال لها: «إلى أين تريدين يا أمَةَ الجبار؟» قالت: «إلى المسجد» . قال: «تطيّبْتِ؟» . قالت: «نعم» . قال: «فارجعي فاغتسلي فإني سمعت رسول الله r يقول:"لا يقبل الله من امرأة صلاة خرجت إلى المسجد وريحها تعصف حتى ترجع فتغتسل"» . قال أبو حاتم عن حديث ابن يسار هذا: «مرسَل، ولم يدرك أبا هريرة» .
(يُتْبَعُ)