فهرس الكتاب

الصفحة 15463 من 20085

وأخرج النسائي في مجتباه (8>153) عن أبي هريرة مرفوعًا: «إذا خرجت المرأة إلى المسجد، فلتغتسل من الطيب كما تغتسل من الجنابة» . وفيه رجلٌ مجهولٌ لم يُسمّ. ورُوِيَ مثله عند أحمد (2>444) وأبي داود (4>79) والبيهقي (3>133) من طريق عبيد بن أبي عبيد مولى لأبي رهم عن أبي هريرة مرفوعًا. وقد رجّح الدارقطني في علله (9>87) أن الحديث عائدٌ إلى عاصم بن عبيد الله، وهو مُنكَر الحديث. فالحديث إذًا ضعيفٌ بكل طرقه.

وبقي حديث جيّد الإسناد أخرجه أبو داود في سننه (1>155) : عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله r قال: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، ولكن ليخرجن وهُنّ تَفِلات» . محمد بن عمرو جيّد الحديث، إلا عن أبي سلمة ففيه مقال. إلا أنه توبع في تاريخ البخاري (4>79) . تفلات أي غير متعطّرات. وفرّق كثير من الفقهاء بين المرأة الشابة وغيرها.

لبس المرأة للثياب الضيقة

لم يثبت في النهي الصريح عن اللباس الضيق للمرأة حديث. ولعل من أقوى ما ورد في الباب ما رواه الإمام أحمد (5>205 #22131،22129) وغيره من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل عن ابن أسامة بن زيد أن أباه أسامة قال كساني رسول الله r قبطية كثيفة كانت مما أهداها دحية الكلبي، فكسوتها امرأتي. فقال لي رسول الله r: « مالك لم تلبس القبطية؟» قلت: «يا رسول الله، كسوتها امرأتي» . فقال لي رسول الله r: « مرها فلتجعل تحتها غِلالة إني أخاف أن تصف حجم عظامها» . قال الشوكاني في نيل الأوطار: «القباطي ثياب رقاق لا تستر البشرة عن رؤية الناظر بل تصفها» .

وهذا الحديث هو من رواية ابن عقيل عن محمد بن أسامة بن زيد، والأول وصف بسوء الحفظ خاصة لما كبر، والثاني مجهول كما ذكر بعض الأئمة كالدارقطني. وقد وثقه من لا يُعبئ بتوثيقه لميله لتوثيق المجاهيل من التابعين كابن سعد وابن حبان. والحديث ضعيفٌ ليس بحجة.

وله شاهد عند أبي داود (#4116) والحاكم (4>187) والبيهقي (2>234) عن عباس بن عبيد الله (وقيل عبد الله) بن عباس بن عبد المطلب حدثه عن خالد بن يزيد بن معاوية عن دحية بن خليفة قال: بعثه رسول الله r إلى هرقل. فلما رجع أعطاه رسول الله r قبطية فقال: «اجعل صديعها قميصًا، وأعط صاحبتك صديعًا تختمر به» . فلما ولى دعاه قال: «مرها تجعل تحته شيئًا لئلا يصف» .

وفيه عدة علل منها الانقطاع بين خالد بن يزيد ودحية. ومنها عباس بن عبيد الله مجهولٌ لم يوثقه غير ابن حبان، وقال ابن القطان الفاسي: «لا يُعرف حاله» . ومنها موسى بن جبير ففيه جهالة. وقد وثقه ابن حبان، والذهبي في"الكاشف" (وقد كتبه في أول الطلب) . وأما في تهذيب السنن للبيهقي فقال الذهبي: «يخطىء ويخالف» . وقال عنه ابن حجر: «مقبول» . وقد روى البيهقي (2>234) أثرًا موقوفًا على عمر يشهد لما سبق. وإسناده ضعيف: فيحي بن أيوب فيه كلام، وكذلك عبد الله بن أبي سلمة لم يدرك عمر t.

فهذه الأسانيد شديدة الضعف لا تتقوى. ويبقى الأصل فيها الإباحة. هذا بالنسبة للباس الذي تلبسه عادة، وإلا فاللباس الذي يُحجّم العورة ويلاصق الجلد محرم أمام الأجانب. وقال بعض المتشددين بوجوب أن يكون ثوب المرأة فضفاضًا لدرجة حيث لا يظهر إن كانت المرأة نحيفة أم بدينة! وهذا قولٌ بلا دليل، بل هو مخالف للأدلة الشرعية. ومهما كان الثوب واسعًا وفضفاضًا، فلابد أن يصف جسد المرأة. كما قال عمر t لأمنا سودة: «قد عرفناك يا سَوْدة» . والقصة في الصحيحين. وقال ابن حجر في فتح الباري (1>249) : «نزل الحجاب فتسترن (أي أمهات المؤمنين) بالثياب. لكن كانت أشخاصهن ربما تتميز. ولهذا قال عمر لسودة -في المرة الثانية- بعد نزول الحجاب:"أما والله ما تخفين علينا"» .

والبعض اسنتبط التحريم من ذكر الجلباب في سورة النور. وهذا ليس بحجة إذ ليس الجلباب بالضرورة هو الثوب الفضفاض. بل ذكر العلامة ابن منظور في"لسان العرب"معانٍ كثيرة مختلفة لهذه الكلمة، مع عدة أمثلة. وذكر بعض هذه المعاني النووي وابن حجر في شرحهما للصحيح. وإذا تطرق الاحتمال سقط الاستدلال. والأظهر في القرآن والحديث استخدامه بمعنى الخمار وليس الثوب، والله أعلم.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت