فهرس الكتاب

الصفحة 15623 من 20085

قلت: وجواز تحكيم هؤلاء منوط بإصابة وجه الشرع وعدم تجاوز حدوده، فإذا اصطدم حكمه بالنص أو العقل فلا مجال لقبوله وتنفيذه.

مجالات التحكيم:

قال السرخسي في «المبسوط» : «وليس ينبغي للمحكَّم أن يقضي في إقامة حدٍّ أو تلاعن بين زوجين؛ لأن اصطلاح الخصمين على ذلك غير معتبر ... » [14] .

قال صاحب «الاختيار» : «ولا يجوز التحكيم فيما يسقط بالشبهة كالحدود والقصاص؛ لأنه لا ولاية لهما على دمهما حتى لا يباح بإباحتهما، وقيل: يجوز في القصاص؛ لأنهما يملكانه فيملكان تفويضه إلى غيرهما، والحدود حق لله - تعالى - فلا يجوز» [15] .

وقال ابن فرحون في «التبصرة» : «التحكيم جائز في الأموال وما في معناها، والمحكَّم لا يقيم حدًا ولا لعانًا ولا يحكم في قصاص أو قذف أو طلاق أو نسب» [16] .

قال القرطبي: «الضابط في موضوع التحكيم أن كل حق اختص به الخصمان يجوز التحكيم فيه» [17] .

قلت: ومفهوم المخالفة يقتضي أن كل ما هو راجع إلى الحق العام لا تحكيم فيه.

التحكيم بين الزوجين:

قد يحدث نوع من النشوز من قبل الزوجين معًا، ولا يعرف الظالم منهما من المظلوم؛ لذا أمر الله - تعالى - والحالة هذه؛ ببعث الحكمين إذا وقع الشقاق أو خيف من وقوعه، فقال - عز وجل: {وَإنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إن يُرِيدَا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء: 53] .

وحقيقة الشقاق أن يأتي كل منهما ما يشق على صاحبه، فيكون كل واحد في شق غير شق صاحبه.

مَنِ المخاطبُ في الآية؟

قد اختلف الفقهاء في المخاطَبين بهذا الخطاب في الآية، كما اختلفوا في مدى اختصاص الحكمين بالتفريق، وهل تشترط موافقة الزوجين أم يتفردان بذلك دونهما؟

قال السدي: يخاطب الرجل والمرأة إذا ضربها فشاقته، تقول المرأة لحكمها: قد وليتك أمري وحالي كذا، ويبعث الرجل حَكَمًا من أهله ويقول له: حالي كذا؛ قاله ابن عباس، ومال إليه الشافعي.

وقال سعيد بن جبير: المخاطب السلطان، ولم ينته رفع أمرهما إلى السلطان، فأرسل الحكمين.

وقال مالك: قد يكون السلطان، وقد يكون الوليين إذا كان الزوجان محجورين.

وعلى القول: إن المخاطب في الآية هو السلطان فقط جمهور الفقهاء [18] .

ويدل على ذلك قوله - تعالى: {وَإنْ خِفْتُمْ} فجعل الخوف لغير الزوجين، ولم يقل: فإن خافا، ولأن تعيين الحكمين إذا كان من الزوجين لم يكن لفعل البعث معنى [19] .

ويؤجل حكم السلطان إلى ما بعد حكم الحَكَمين، فإن حصل الإصلاح وإلا رفع التقرير إليه ليحكم بالتفريق بينهما، ويكون الفراق بطلقة بائنة [20] .

شروط الحكمين:

يشترط في المحكَّم أن يكون مسلمًا بالغًا عاقلًا عدلًا معيَّنًا بالاسم أو بالصفة، أهلًا للقضاء وتحمل الشهادة، غير خصم، وعالمًا بموضوع الخلاف. فهذه الشروط مطلوبة التحقق فيمن تسند إليه مهمة التحكيم، واشتراط وجودها في الحَكَم بين الزوجين من باب أَوْلى.

قال القرطبي: «والحَكَمان لا يكونان إلا من أهل الرجل والمرأة؛ إذ هما أقعد الناس بأحوال الزوجين؛ بشرط كونهما من أهل العدالة وحسن النظر والتبصر بالفقه، فإن لم يوجد من أهلهما من يصلح لذلك فيرسل غيرهما من أهل الثقة والعدل، كل ذلك إذا أشكل الأمر، فإن عَلِمَ القاضي مَن الظالم مِن الزوجين فإنه يأخذ منه الحق ويجبره على إزالة الضرر» [21] .

صفة الحكمين:

اختلف الفقهاء في صفة الحكمين: هل هما حاكمان يجوز قولهما في الفرقة والاجتماع بغير توكيل من الزوجين ولا إذن منهما، أم هما وكيلان ليس لهما أن يفرقا إلا أن يجعل الزوج إليهما التفريق، وذلك على قولين:

القول الأول: أنهما وكيلان عن الزوج والزوجة ولا يجوز لهما أن يفرقا ولا أن يأخذا من المرأة فداء عند استصوابها الخلع، إلا بتوكيل من الزوجين لهما، وهو رأي أبي حنيفة، والشافعي في أحد قوليه، وبه قال الطبري [22] .

القول الثاني: أنهما حاكمان لهما حق الحكم وإصدار القرار الإلزامي ولو بالتفريق بين الزوجين، وهذا رأي مالك وأصحابه [23] ، والشافعي في القول الآخر، وأحمد في الرواية الثانية.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت