العلماء متفقون على وجوب العمل بكل ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم و طرح ما خالفه
قال شمس الدين بن القيم في (إعلام الموقعين) :
"والذي ندين الله به، ولا يسعنا غيره: أن الحديث إذا صح عن رسول الله، ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه، أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه، وترك ما خالفه، ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنا من كان، لا راويه ولا غيره".
وفي كتاب (قاموس الشريعة) للسعدي:
"كل مسألة لم يخل الصواب فيها من أحد القولين ففسد أحدهما لقيام الدليل على فساده صح أن الحق في الآخر، قال الله تعالى:) فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون (".
وقال العارف الشعراني قدس الله سره:
"فإن قلتَ: فما أصنع بالأحاديث التي صحت بعد موتِ إمامي، ولم يأخذ بها؟"
فالجواب: ينبغي لك أن تعمل بها، فإن إمامَك لو ظفر بها، وصحت عنده، لربّما كان أمرك بها، فإن الأئمة كلهم أسرى في يد الشريعة، ومن فعل ذلك حاز الخير بكلتا يديه، ومن قال: لا أعمل بالحديث، إلا إِنْ أَخَذ به إمامي فاته خير كثير، كما كان عليه كثير من المقلدين لأئمة المذاهب، وكان لهم الأولى العمل بكل حديث صح بعد إمامهم، تنفيذا لوصية الأئمة، فإنّ اعتقادنا فيهم أنهم لو عاشوا وظفروا بتلك الأحاديث التي صحت بعدهم، لأخذوا بها، وعملوا وتركوا كل قياس كانوا قاسوه، وكل قول كانوا قالوه، وقد بلغنا من طرق صحيحة أن الإمام الشافعي أرسل يقول للإمام أحمد بن حنبل: إذا صح عندكم حديث فأعلمونا به لنأخذ به ونترك كل قول قلناه قبل ذلك (1) ، أو قاله غيرنا، فإنكم أحفظ للحديث، ونحن أعلم به". (إهـ نقلا عن"قواعد التحديث"للقاسمي ص 87، 88، 90) "
المطلب الأول
مذاهب الفقهاء في المسألة
ذهب جمع من الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة إلى منع وعدم جواز إحضار الصبي غير المميز إلى المسجد (2) ، واشترط بعضهم لجواز إحضاره أحد أمرين:
1)عدم عبثه.
2)كونه يُكف إذا نُهي عن العبث (3) .
وذهب بعض الفقهاء إلى جواز ذلك، وقالوا: يجوز إحضارهم ولو كانوا صغارا يتعثرون في سيرهم، وهذا ما اختاره الإمام النسائي كما ترجم له في سننه وبدر الدين العيني في"العمدة" (4) ، وابن رجب (5) ، والنووي (6) ، وابن حجر (7) ، و الشوكاني (8) ، و من المعاصرين العلامة الألباني رحمه الله تعالى (9) .
المطلب الثاني
أدلة الفريق الأول ومناقشتها
قالوا دليل ذلك ما أخرجه ابن ماجة وغيره عن واثلة بن الأسقع مرفوعا:"جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ وَشِرَاءَكُمْ وَبَيْعَكُمْ وَخُصُومَاتِكُمْ وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ وَإِقَامَةَ حُدُودِكُمْ وَسَلَّ سُيُوفِكُمْ وَاِتَّخِذُوا عَلَى أَبْوَابِهَا الْمَطَاهِرَ وَجَمِّرُوهَا فِي الْجُمَعِ".
مناقشة الدليل:
لكن أُجيب عمّا استدلوا به بأنه حديث منكر، وهو على نكارته مخالف للأدلة التي تفيد جواز إدخال الصبيان إلى المساجد كما كان عليه العمل زمن النبوة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
وإليك الآن ما قاله الحفاظ والمحدثون في الحديث الذي استدلوا به:
قال العلامة الحويني _ حفظه الله تعالى _ في"إقامة الدلائل على عموم المسائل" (ص 342 _ 348) :
حديث:"جنبوا مساجدكم صبيانكم "
منكر: أخرجه ابن ماجة (750) وعمر بن شبة في"أخبار المدينة" (1/ 37) والطبراني في المعجم الكبير (ج 22 رقم: 136) وفي مسند الشاميين (ق 648) من طريق الحارث بن نبهان، حدثنا عتبة بن يقظان، عن أبي سعيد، عن مكحول عن واثلة بن الأسقع مرفوعا:"جنبوا مساجدكم صبيانكم ..."
قال البوصيري في الزوائد: (1/ 265) : هذا إسناد ضعيف.
وكذا قال ابن كثير في"تفسيره (6/ 68) ."
وهو قصور ظاهر، فالسند تالف البتة، وهو مسلسل بالعلل:
1 -الحارث بن نبهان:
ضعيف جدا كما قال البخاري، وتركه أبو حاتم والنسائي، وقال أحمد والبخاري ويعقوب الفسوي:"منكر الحديث"
2 -عتبة بن يقظان:
قال النسائي في الكنى: غير ثقة.
وقال علي بن الجنيد: لا يساوي شيئا.
3 -أبو سعيد: هو الشامي والمصلوب على الزندقة، واسمه: محمد بن سعيد.
قال أحمد:"كان عمدا يضع الحديث"
وكذّبه النسائي وابن نمير.
واتهمه ابن حبان والحاكم بوضع الحديث.
(يُتْبَعُ)