فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
انّ ابطال الحرب في الصحابة كثيرون, والفقهاء والدعاة والمعلمون كثيرون, ولكن البنية التحتية للمجتمع تفتقد للكتابة, وفي تلك العصور كانت الجماعة الانسانية كلها لا تهتم بالكتابة, ولم تكن الكتابة من علامات التقدم في ذلك الزمان, لذا كان كثير من رجالها ونساءها أميون لا يدركون شيئا من القراءة والكتابة, ورغم أنّ ابو هريره رضي الله عنه كان من تلك العصور, الا أنه نال حظا وافرا من العلم والتعلم , شأنه شان كتاب الوحي رضي الله عنهم, ورغم قلتهم الا أنهم كانوا, وأبو هريرة بحدسه العريض وبذكاءه الشديد وبفطرته السديدة أدرك حاجة المجتمع الجديد الذي يبنيه الاسلام لبنة لبنة, الى من يحفظ تراثه وتعاليمه, كان هناك يومئذ من الصحابة كتاب الوحي يكتبون ما يتنزل به الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن الكريم, وما كان لهم أن يكتبوا أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا يختلط عليهم كلام رب العزة تبارك وتعالى بكلام نبيه صلى الله عليه وسلم, لأجل هذا رأى أبو هريرة رضي الله عنه أن يستوعب بقلبه وعقله ما ينطقه الفم الشريف من أحاديث, ووجد نفسه أهلا لحفظ الأحاديث نظرا للوهبة الجليلة التي يملكها, ونظرا للتفرغ الكامل لخدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم, ونظرا للفراغ الطويل الذي أهّله الى ما يمكنه من ادرك كل ما كلمة ينطق به فمه الشريف صلى الله عليه وسلم.
لم يكن أبو هريرة رضي الله عنه كاتبا, بل كان حافظا, وكان يملك من الفراغ ما يمكنه من ادراك كل أحاديثه صلى الله عليه وسلم, وهذه موهبة الهية خصّها به الله تبارك وتعالى بعبده هذا الصحابي الجليل, وانعم به عليه بدعوة نبيه صلى الله عليه وسلم حين دعا له دعوة فتحت لها أبواب السماء ومادام النبي صلى الله عليه وسلم قد دعا, اذن لم لا يكون واحدا من النجباء الذين يأخذون على عاتقهم هذا التراث ومن ثم نقله للأجيال القادمة.
لماذا منعه عمر رضي الله عنهما من رواية الحديث؟
هناك بعض الشكوك كانت قد راودت بعض الصحابة رضوان الله عليهم من كثرة ما حدّث أبو هريرة من أحاديث بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم, جعلهم يرتابوا بصحتها, الا أنّ أبو هريرة رضي الله عنه قد دافع عن نفسه وقال لهم: انكم تتقوّلون بأنّ ابو هريرة قد أكثر في حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم, وتقولون أن المهاجرين الذين سبقوه الى الاسلام لا يحدّثون هذه الأحاديث, ان أصحابي من المهاجرين كانت هناك ما تشغلهم صفقاتهم بالوق, وانّ لأصحابي من الأنصار كانت تشغلهم أرضهم وزروعهم, واني كنت أميرا مسكينا أكثر مجالسة للنبي صلى الله عليه وسلم, أحضر اذا غابوا, وأحفظ اذا نسوا, وقد حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال: من يبسط رداءه حتى يفرغ من حديثي ثمّ يقبضه اليه فلا ينسى شيئا كان قد سمعه مني, فبسطت ثوبي , فحدّثني ثم ضممته اليّ , فوالله ما كنت نسيت شيئا سمعته منه, وايم الله لولا آية في كتاب الله ما حدّثتكم بشيء أبدا, قوله تعالى:
ان الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيّناه للناس في الكتاب, أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون.
لأجل هذا كان أبو هريرة يحدّث بالناس كي لا يطوله اثم اذا هو كتم حديثا, وكان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه قال له يوما بعدما اشتكاه بعض الصحابة: لتتركنّ الحديث عن رسول الله أو لألحقنك بأرض دوس
وهذا النهي من أمير المؤمنين رضي الله عنه لا يشكل اتهاما لأبي هريرة رضي الله عنه, بل هو دعم لنظرية عمر رضي الله عنه يتبناها ويؤكدها, تلك هي أنّ على المسلمين في تلك الفترة بالذات يجب ألا يحفظوا سوى القرآن الكريم حتى يستقر ويثبت في الصدور والعقول, فالقرآن كتاب الله تبارك وتعالى, ودستور الاسلام, وقاموس الدين, وكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الفترة التي أعقبت وفاته صلى الله عليهوسلم, والتي كان القرآ ن الكريم يجمع فيها, قد تسبب بلبلة وتداخلات الأحاديث مع نصوص آيات القرآن الكريم, ولو أنّ أبو هريرة رضي الله عنه صرّح بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم بعد جمع القرآن الكريم لما اعترض عمر رضي الله عنه ولا غيره على روايتها.
من أجل ذلك كان عمر رضي الله عنه يقول: اشتغلوا بالقرآن فانه كلام الله.
(يُتْبَعُ)