وكان يقول: أقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليبه وسلم, الا فيما يعمل به.
وأبو موسى الأشعري لم ينكر على أبو هريرة رضي الله عنه رواية الحديث, ولكن رأيه من ذلك كان يقترب من رأي عمر رضي الله عنه, اذ قال لأبو هريرة رضي الله عنه: انك تأتي قوما لهم في مساجدهم دوي القرآن كدوي النحل, فدعهم على هم عليه ولا تشغلهم بالحديث وأنا شريكك في ذلك.
كان القرآن الكريم قد جمع بطريقة مضمونة دون أن يتسرّب اليه ما ليس فيه, وحكمة عمر وأبو موسى الأشعري رضي الله عنهما كانت عاملا مساعدا وقويا على ذلك, فالقرآن الكريم من المحال أن يحرّف أو يزوّر, ذلك أن الله تعالى قد تكفل بحفظه, بينما الأحاديث فهي قابلة للتحريف والتبديل والتزوير, وقابلة لأن تتخذ سبيلا في الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم والنيل من الاسلام, وكان أبو هريرة يقدّر وجهة نظرعمر رضي الله عنه ويحترمها, رغم أنه واثقا من نفسه ومن صحة رواياته ومن أمانته, لأجل هذا كان لا يريد أن يكتم الحديث والعلم اللذين بنظره أمانة يجب أن تؤدى.
وهناك ثمة سبب آخروجوهريا هاما كان له دور كبير في اثارة المتاعب حول أبو هريرة رضي الله عنه لكثرة تحدثه وحديثه, ذلك أنه كان هناك يومئذ محدّث آخر يحدّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكان يكثر ويسرف, ولم يكن المسلمون يطمئنون اليه كثيرا, ذلكم هو كعب الأحبار الذي كان يهوديا.
نصيحة الشيطان لأبو هريرة
روى الامام البخاري رحمه الله بسنده الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال:
وَكَّلَنِي رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آتٍ فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: والله لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: إني محتاج وعليَّ عيالٌ ولي حاجةٌ شديدة، قال: فخليت عنه، فأصبحت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟ قال: قلت: يا رسول الله! شكا حاجةً شديدة وعيالًا فرحمته فخليت سبيله، قال: أما إنه قد كذبك وسيعود، فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه سيعود. فرصدته فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: دعني فإني محتاج وعلي عيالٌ ولن أعود، فرحمته فخليت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا هريرة ما فعل أسيرك؟ قلت: يا رسول الله! شكا حاجةً شديدةً وعيالًا فرحمته فخليت سبيله، قال: أما إنه قد كذبك وسيعود. فرصدته الثالثة فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذه ثلاث مرات تزعم أنك لا تعود ثم تعود، قال: دعني وسوف أعلمك كلماتٍ ينفعك الله بها، قلت: ما هي؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي - {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم} [البقرة:255] - حتى تختم الآية، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطانٌ حتى تصبح؛ فخليت سبيله. فأصبحت، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: يا رسول الله! زعم أنه يعلمني كلماتٍ ينفعني الله بها، فخليت سبيله، قال: وما هي؟ قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية: - {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم} [البقرة:255] - وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطانٌ حتى تصبح -وكانوا أحرص شيءٍ على الخير- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما إنه قد صدقك وهو كذوب، أتعلم من تخاطب منذ ثلاث ليالٍ يا أبا هريرة؟ قال: لا. قال: ذاك الشيطان
ميراث رسول لله صلى الله عليه وسلم
ذات يوم مرّ أبو هريرة رضي الله عنه في سوق المدينة اذ وقف وقال: ذاك ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسّم وأنتم ههنا؟ ألا تذهبون فتأخذون نصيبكم منه؟ قالوا: وأين يقسّم؟ قال رضي الله عنه: في المسجد, فخرجوا من السوق مسرعين الى المسجد, ثم ما لبثوا أن عادوا وأبوهريرة رضي الله عنه لا زال مكانه, فلما أبصرهم قال: مابكم عدتم؟ قالوا: أتينا المسجد فدخلناه, فلم نر فيه شيئا يقسّم, بل رأينا أقواما تصلي, وأقواما تقرأ القرآن, وأقواما تتذاكر الحلال والحرام, فقال رضي الله عنه: ويحكمّ فذاك هو ميراثه صلى الله عليه وسلم.
(يُتْبَعُ)