فهرس الكتاب

الصفحة 15980 من 20085

-قال الآخرون: إن سجود الملائكة كان امتثالًا لأمر ربهم، وعبادة وانقيادًا وطاعة له، وتكريمًا لآدم وتعظيمًا، ولا يلزم من ذلك الأفضلية، كما لم يلزم من سجود يعقوب لابنه عليهما السلام تفضيل ابنه عليه، ولا تفضيل الكعبة على بني آدم بسجودهم إليها امتثالًا لأمر ربهم. وأما امتناع إبليس، فإنه عارض النص برأيه وقياسه الفاسد بأنه خير منه، وهذه المقدمة الصغرى، والكبرى محذوفة، تقديرها: والفاضل لا يسجد للمفضول! وكلتا المقدمتين فاسدة: أما الأولى: فإن التراب يفوق النار في أكثر صفاته، ولهذا خان إبليس عنصره، فأبى واستكبر، فإن من صفات النار طلب العلو والخفة والطيش والرعونة، وإفساد ما تصل إليه ومحقه وإهلاكه وإحراقه، ونفع آدم عنصره، في التوبة والاستكانة، والانقياد والاستسلام لأمر الله، والاعتراف وطلب المغفرة، فإن من صفات التراب الثبات والسكون والرصانة، والتواضع والخضوع والخشوع والتذلل، وما دنا منه ينبت ويزكو، وينمي ويبارك فيه، ضد النار. وأما المقدمة الثانية، وهي: أن الفاضل لا يسجد للمفضول: فباطلة، فإن السجود طاعة لله وامتثال لأمره، ولو أمر الله عباده أن يسجدوا لحجر لوجب عليهم الامتثال والمبادرة، ولا يدل ذلك على أن المسجود له أفضل من الساجد، وإن كان فيه تكريمه وتعظيمه، وإنما يدل على فضله. قالوا: وقد يكون قوله: هذا الذي كرمت علي، بعد طرده لامتناعه عن السجود له، لا قبله، لينتفي الاستدلال به.

(2) -ومنه: أن الملائكة لهم عقول وليست لهم شهوات، والأنبياء لهم عقول وشهوات، فلما نهوا أنفسهم عن الهوى، ومنعوها عما تميل إليه الطباع، كانوا بذلك أفضل.

-وقال الآخرون: يجوز أن يقع من الملائكة من مداومة الطاعة وتحمل العبادة وترك الونى والفتور فيها ما يفي بتجنب الأنبياء شهواتهم، مع طول مدة عبادة الملائكة. ومنه: أن الله تعالى: جعل الملائكة رسلًا إلى الأنبياء، وسفراء بينه وبينهم.

وهذا الكلام قد اعتل به من قال: إن الملائكة أفضل، واستدلالاتهم به أقوى، فإن الأنبياء المرسلين، إن ثبت تفضيلهم على المرسل إليهم بالرسالة، ثبت تفضيل الرسل من الملائكة إليهم عليهم، فإن الرسول الملكي يكون رسولًا إلى الرسول البشري.

(3) -ومنه: قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا} [البقرة:31] ، الآيات.

-قال الآخرون: وهذا دليل على الفضل لا على التفضيل، وآدم والملائكة لا يعلمون إلا ما علمهم الله، وليس الخضر أفضل من موسى، بكونه عالم ما لم يعلمه موسى، وقد سافر موسى وفتاه في طلب العلم إلى الخضر، وتزود لذلك، وطلب موسى منه العلم صريحًا، وقال له الخضر: إنك على علم من علم الله، إلى آخر كلامه. ولا الهدهد أفضل من سليمان عليه السلام، بكونه أحاط بما لم يحط به سليمان عليه السلام علمًا.

(4) -ومنه: قوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص:75] .

-قال الآخرون: هذا دليل الفضل لا الأفضلية، وإلا لزم تفضيله على محمد صلى الله عليه وسلم. فإن قلتم: هو من ذريته؟ فمن ذريته البر والفاجر، بل يوم القيامة إذا قيل لآدم: ابعث من ذريتك بعثًا إلى النار، يبعث من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحدًا إلى الجنة. فما بال هذا التفضيل سرى إلى هذا الواحد من الألف فقط.

(5) - ومنه: قول عبدالله بن سلام رضي الله عنه: (( ما خلق الله خلقًا أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم ) )، فالشأن في ثبوته وإن صح عنه فالشأن في ثبوته في نفسه، فإنه يحتمل أن يكون من الإسرائيليات.

(6) -ومنه: حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إن الملائكة قالت: يا ربنا، أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون فيها ويشربون ويلبسون، ونحن نسبح بحمدك، ولا نأكل ولا نشرب ولا نلهو، فكما جعلت لهم الدنيا فاجعل لنا الآخرة؟ قال: لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له: كن فكان ) )... وأخرج عبدالله بن أحمد بن محمد بن حنبل عن عروة بن رويم، أنه قال: أخبرني الأنصاري، عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الملائكة قالوا، الحديث، وفيه: (( وينامون ويستريحون، فقال الله تعالى: لا، فأعادوا القول ثلاث مرات، كل ذلك يقول: لا ) )

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت