فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
جَرَمَ إِذا اطّلَعَ عَلَى كلامِ المُحَقِّقِينَ عارَضَهُ بِما اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ؛ وطالَبَ المُخالِفَ بالدَّلِيلِ!، لأَنّهُ لا يَعْرِفُ مِن الدّلِيلِ غَيْرَ حِكايَتِهِ، أما طُرُقُ الاسْتِدْلالِ ومَراتِبُ الأدِلَّةِ فَما طَرَقَتْ سَمَعْهُ دَعْ عَنْكَ أنْ يَدْرِيَها!، ولذلكَ أَصْبَحَ المِيزانُ عِنْدَ أمْثالِ هَؤلاءِ أنْ يَعُدُّوا كُلَّ مُوافِقٍ لَهُمْ - ولَوْ فِي بَعْضِ المَسائلِ - مِن (إِخْوانِ المَنْهَجِ) كَما يَقُولُون!؛ حَتَّى ولَو كانَ (المُوافِقُ) فِي مِيزانِ العِلْمِ لا يَزِنُ جَناحَ بَعُوضَةٍ!، كَما يَعُدُّونَ كُلَّ مُخالِفٍ - ولَو فِي مَسْألَةٍ أو فِي بَعْضِ المَسائِلِ التِي يَسَعُ فِيها الاجْتِهادُ - مِنْ (أَعْداءِ المَنْهَجِ) !؛ حَتَّى وإنْ كانَتْ أُصُولُ مَنْ خالَفُوهُ أُصُولَ أهْلِ السَّنَّةِ والحَماعَةِ وَقْعَ الحافِرِ علَى الحافِر!، وقَدْ مارَسْتُ هَؤلاءِ ومارَسُونِي؛ فَمُعْوَجٌّ عَلَيَّ ومُسْتَقِيمٌ، وللهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْد.
والذِي أَعْظُ بِهِ نَفْسِي أَوّلًا وإخْوانِي مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِمّنْ تَصَدَّى لِبَيانِ هَذهِ النَّوازِلِ وأحْكامِها؛ أنْ يَسْلُكُوا فِيما يَكْتُبُونَ مَسالكَ المُحَقِّقِينَ مِن العُلَماءِ، وأنْ يُكْثِرُوا مِن مَطالَعَةِ مُطَوَّلاتِ أكابِرِ الفُقَهاءِ كَمْجُمُوعِ النّوَوِيِّ؛ وحاوِي المَاوَرْدِيّ؛ ومُغْنِي ابْنِ قُدامَةَ؛ ومَبْسُوطِ السرَخْسِيِّ؛ وحاشِيَةِ ابْنِ عابِدينَ الحَنَفِي؛ والبَيانِ والتَّحْصِيلِ لابْنِ رُشْدٍ رَحِمَهُ الله؛ وغَيرِها مِن مَثِيلاتِها، فَإنَّها تُكْسِبُهُمْ مَلَكَةَ التَّحْرِيرِ للمَسائلِ؛ والتَّدْقِيقِ فِي العِبارَةِ، والوُقوفِ طَوِيلًا عِنْدَ دَلالاتِ الألْفاظِ؛ حَتّى يَعْتادَ الناشِئَةُ والأَتْباعُ مِنْهُمْ علَى ذلكَ، فَإنّ المُتْبُوعَ إنْ كانَ فَقِيهَ النَّفْسِ أَثَّرَ ذلكَ فِي التابِعِ ولاَ بُدَّ، أَما التَّعْوِيلُ عَلَى النُّقُولاتِ مِن فَتاوِي ابْنِ تَيْمِيَةَ والدُّرَرِ السَّنِيَّةِ ونَحْوها مِن الكُتُبِ؛ فَإنَّها - وإنْ حَوَتْ خَيْرًا عَظِيمًا - إِلاّ أَنَّها لا تُكْسِبُ الطالِبَ مَلَكَةَ الفِقْهِ والدُّرْبَةَ علَى الاسْتِنْباطِ، لأنَّ الفَتْوَى لا يُذْكَرُ فِيها عادَةً إلاّ ما صارَ إلَيْهِ المُفْتِي مِن الراجِحِ عِنْدَهُ؛ دُونَ الإشارَةِ إلَى شَيءٍ مِمّا أَشَرْنا إلَيْهِ سابِقًا، ومَن لَمْ تَكُنْ لَهُ مَلَكَةٌ فِي الفِقْهِ رُبّما ظَنَّ فِي واقِعَةٍ أَنّها نَظِيرُ واقِعَةِ الفَتْوى؛ وغَفِلَ عَن دَقائقَ مِن الفُرُوقِ تُوجِبُ تَبَايُنًا ظاهِرًا بَيْنَ الحُكْمَينِ.
ثُمّ إنّ هَذا المسْلَكَ فِي التَّحْقِيقِ قَيْدٌ للأهْواءِ؛ كَما أنَّ الإيمانَ قَيْدٌ للفَتْكِ!، وهُوَ أَيْضًا دِرْعٌ واقٍ مِن الوُقُوعِ فِي الشُّبُهات، مَعَ ما يُكْسِبُ المَرْءَ مِن سَعَةِ الصَّدْرِ التِي هِيَ ثَمَرَةُ سَعَةِ الفِقْهِ والتَّبَحُّرِ فِيهِ، وقَدْ كُنْتُ فِي حَداثَةِ السِّنِّ أوَائِلَ الطَّلَبِ تُنازِعُنِي نَفْسِي إلَى نَحْوِ ما يَصْنَعُ أَنْصافُ الكُتَّابِ مِمَّنْ ذكَرْتُ سابِقًا؛ كَما كَانَتْ تُرَاوِدُنِي عَلَى صَنْعَةِ التَّصْنِيفِ مُنْذُ أكْثَرَ مِن عِشْرِينَ عامًا!؛ إلاّ أنَّ اللهَ تعالَى بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ عَصَمَنِي مِنْهُ؛ وعَوّضَنِي بالصَّبْرِ عَنْهُ الجِدّ فِي المُطالَعَةِ والطَّلَبِ؛ وتَقْيِيدَ ما يَقَعُ لَي مِن الفوائدِ فِي مَظانِّها وغَيْرِ مَظانِّها، ولَمْ أشْتَغِلْ بِحَمْدِ اللهِ فِي شَيءٍ مِن التّصانِيفِ إلا بَعْدَ بُلُوغِ الأَرْبَعِينَ، ولَمْ أكْتُبْ أيامَ الطلَبِ سِوَى مَقالاتٍ يَسيرَةٍ إِذا قارَنْتُها بِما كَتَبْتُهُ بَعْدَ الأرْبَعِينَ وجَدْتُنِي لَسْتُ رَاضِيًا عَنْ كَثِيرٍ مِنْها، وأسْألُ اللهَ أنْ يُعِينَنِي علَى مُراجَعَتِها والنظَرِ فِيها ثانِيًا، وأَوَّلُ كِتابٍ مِن التّصانِيفِ أَخْرَجْتُهُ هُو (سلُّ الحُسام) ، فَما شَرَعْتُ فِي ذلكَ حَتّى كانَ بَينَ يَدَيَّ آلافٌ مِن الفَوائِدِ؛ وَوَجَدْتُ الفَرْقَ بَيْنَ ما كُنْتُ عَلَيْهِ أوائلَ الطَلَبِ وبَينَ وَقْتِ الشرُوعِ فِي التّصْنِيفِ كالفَرْقِ بَينَ سِرَاجٍ يُنَوْنِصُ فِي حالكِ الليْلِ وسَوادِهِ؛ وبَينَ شَمْسِ
(يُتْبَعُ)