العاشر ان الإجماع انعقد على جواز عطية الرجل ماله لغير ولده فإذا جاز له أن يخرج جميع ولده من ماله لتمليك الغير جاز له أن يخرج بعض أولاده بالتمليك لبعضهم ذكره ابن عبد البر. قال الحافظ ولا يخفى ضعفه لأنه قياس مع وجود النص اه.
فالحق أن التسوية واجبة وان التفضيل محرم
واختلف الموجبون في كيفية التسوية فقال محمد بن الحسن وأحمد وإسحاق وبعض الشافعية والمالكية العدل أن يعطي الذكر حظين كالميراث واحتجوا بأن ذلك حظه من المال لو مات عنه الواهب وقال غيرهم لا فرق بين الذكر والأنثى وظاهر الأمر بالتسوية معهم ويؤيده حديث ابن عباس المتقدم. قوله (وعن النعمان بن بشير أن أباه) الخ قد روى هذا الحديث عن النعمان عدد كثير من التابعين منهم عروة بن الزبير عند مسلم والنسائي وأبي داود وأبو الضحى عند النسائي وابن حبان وأحمد والطحاوي والمفضل بن المهلب عند أحمد وأبي داود والنسائي وعبد اللّه بن عتبة بن مسعود عند أحمد وعون بن عبد اللّه عند أبي عوانة والشعبي عند الشيخين وأبي داود وأحمد والنسائي وابن ماجه وابن حابن وغيرهم وقد رواه النسائي من مسند بشيء والد النعمان فشذ بذلك. قوله: (نحلت ابني هذا) بفتح النون والحاء المهملة أي أعطيت والنحلة بكسر النون وسكون المهملة العطية بغير عوض. قوله (غلاما) في رواية لابن حبان والطبراني عن الشعبي أن النعمان خطب بالكوفة فقال ان والدي بشير بن سعد أتى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال ان عمرة بنت رواحة نفست بغلام وأني سميته النعمان وأنها أبت أن تربيه حتى جعلت له حديثة من أفضل مال هو لي وأنها قالت أشهد على ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وفيه قوله لا أشهد على جور وجمع ابن حبان بين الروايتين بالحمل على واقعتين احداهما عند ولادة النعمان وكانت العطية حديقة والأخرى بعد أن كبر النعمان وكانت العطية عبدا قال في الفتح وهو جمع لا بأس به الا أنه يعكر عليه أنه يبعد أن ينسى بشير بن سعد مع جلالته الحكم في المسألة حتى يعود إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فيستشهده على العطية الثانية بعد أن قال له في الأولى لا أشهد على جور وجوز ابن حبان أن يكون بشير ظن نسخ الحكم وقال غيره يحتمل أن يكون حمل الأمر الأول على كراهة التنزيه أو ظن أنه لا يلزم من الامتناع في الحديقة الامتناع في العبد لأن ثمن الحديقة في الأغلب أكثر من ثمن العبد. قال الحافظ ثم ظهر وجه آخر من الجمع يسلم من هذا الخدش ولا يحتاج إلى جوابه وهو أن عمرة لما امتنعت من تربيته الا أن يهب له شيئا يخصه به وهبه الحديثة المذكورة تطيبا لخاطرها ثم بدا له فارتجعها لأنه لم يقبضها منه غيره فعاودته عمرة في ذلك فمطلها سنة أو سنتين ثم طابت نفسه أن يهب له بدل الحديقة غلاما ورضيت عمرة بذلك الا أنها خشيت ان يرتجعه أيضا فقالت له أشهد على ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم تريد بذلك تثبيت العطية وان تأمن رجوعه فيها ويكون مجيئه للاشهاد إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم مرة واحدة وهي الأخيرة وغاية ما فيه ان بعض الرواة حفظ مالم يحفظ غيره أو كان النعمان يقص بعض القصة تارة وبعضها أخرى فسمع كل ما رواه فاقتصر عليه اه ولا يخفى ما في هذا الجمع من التكلف وقد وقع في رواية عند ابن حبان عن النعمان قال سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله زاد مسلم والنسائي من هذا الوجه فالتوى بها سنة أي مطلها وفي رواية لابن حبان أيضا بعد حولين ويجمع بينهما بأن المدة كانت سنة وشيئا فجبر الكسر تارة وألغاه أخرى. وفي رواية له قال فأخذ بيدي وأنا غلام ولمسلم انطلق بن أبي يحملني إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ويجمع بينهما بأنه أخذ بيده فمشي معه بعض الطريق وحمله في بعضها لصغر سنه. قوله: (فقال ارجعه) لفظ مسلم أردده وله أيضا النسائي فرجع فرد عطيته. ولمسلم أيضا فرد تلك الصدقة زاد في رواية لابن حبان لا تشهدني على جور ومثله لمسلم وقد تقدم لابن حبان أيضا والطبراني مثل ذلك وذكر هذا اللفظ البخاري تعليقا في الشهادات. وفي رواية لابن حبان من طريق أخرى لا تشهدني أذن فأني لا أشهد على جور. وله في طريق أخرى أيضا فأني لا أشهد على جور أشهد على هذا غيري وله وللنسائي من طريق أخرى فأشهد على هذا غيري ولعبد الرزاق عن طاوس مرسلا لا أشهد لا على الحق لا أشهد بهذه. وللنسائي فكره أن يشهد له. وفي رواية لمسلم اعدلوا بين أولادكم في النحل كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البر. ولأحمد أيسرك أن يكونوا اليك في البر سواء قال بلى قال فلا أذن. ولأبي داود ان لهم عليك من الحق أن تعدل بينهم كما لك عليهم أن يبروك. وللنسائي ألا سويت بينهم. وله ولابن حبان سو بينهم. قال الحافظ واختلاف الألفاظ في هذه القصة الواحدة يرجع إلى معنى واحد. قوله (أفعلت هذا بولدك كلهم: قال مسلم أما معمل ويونس فقالا أكل بينك وأما الليث وان عيينة فقالا أكل ولدك قال الحافظ ولا منافاة بينهما لأن لفظ الولد يشمل الذكور والإناث وأما لفظ البنين فإن كانوا ذكورا فظاهر وإن كانوا إناثا وذكورا فعلى سبيل التغليب.
وفقكم الله.
(يُتْبَعُ)