فالوالدان في الإسلام عليهما أن يغمرا أولادهما بالحنان والشفقة؛ ليوفرا لهم بيئة نفسية سوية تترك تأثيرا إيجابيا في طبائعهم؛ ولهذا ذم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الصِّنف من الآباء الذين لا يشيعون جو الألفة والمحبة بينهم وبين أطفالهم بتقبيلهم ومداعبتهم ونحو ذلك؛ فقد روى البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قَبَّل النبي صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي رضي الله عنهما، فقال الأقرع بن حابس: إن لي عشرة من الولد، ما قبلت منهم أحدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لا يَرحم لا يُرحم» .
وروى ابن عساكر عن أنس - رضي الله عنه - قال: «كان صلى الله عليه وسلم أرحم الناس بالصبيان والعيال» (ذكره الهندي في كنز العمال(18490) ، وأصله في صحيح مسلم (4/ 1808) كتاب الفضائل، باب: رحمته ? بالصبيان والعيال)
وفي مقابل ذلك نجده صلى الله عليه وسلم يثني على امرأة رحمت صغارها، وبشرها برحمة الله تعالى لها؛ فعن أنس - رضي الله عنه - قال: جاءت امرأة إلى عائشة - رضي الله عنها - فأعطتها ثلاث تمرات، فأعطت كل صبي لها تمرة، وأمسكت لنفسها تمرة، فأكل الصبيان التمرتين، ونظرا إلى أمهما، فعمدت إلى التمرة فشقتها، فأعطت كل صبي نصف تمرة، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرته عائشة، فقال صلى الله عليه وسلم: «وما يعجبك من ذلك؟! لقد رحمها الله برحمتها صبييها» (رواه البخاري في الأدب المفرد، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد) .
وأثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على القرشيات؛ لما تميزن به من الحنان على الأولاد؛ فقال صلى الله عليه وسلم: «خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش: أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده» (رواه الشيخان) .
وهكذا تَلقَى البيئة النفسية كل رعاية الإسلام واهتمامه؛ لتأثيرها القوي الدائم في الطبيعة الإنسانية، وفي تشكيل شخصية الفرد وتحديد أنماط سلوكه في مواقف الحياة المختلفة.
التدابير الإسلامية لخلق بيئة اجتماعية صالحة للطفل:
أكدت الدراسات النفسية على الآثار السلبية الجسمية للعزلة الاجتماعية للأطفال؛ حيث تتسبب تلك العزلة في تخلف هؤلاء الأطفال عقليا، وزيادة مستوى غبائهم كلما تقدمت بهم السن في ظل تلك العزلة الاجتماعية.
وفي هذا ما يوضح جانبا من جوانب الروعة في منهج التربية النبوية الذي عمل على توثيق علاقة الطفل بالمجتمع؛ فكان الرسول صلى الله عليه وسلم يسمح للأطفال بحضور مجالس الكبار، فكان الصحابة يحرصون على اصطحاب أطفالهم إلى هذه المجالس؛ ليحصلوا الفائدة المعرفية والاجتماعية التي تعينهم على مواجهة المستقبل الحياتي الذي ينتظرهم، فهذا عمر - رضي الله عنه - يصطحب ابنه إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روى البخاري عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أخبروني عن شجرة مَثَلُها مَثَلُ المسلم، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ولا تحت أوراقها؟» ، فوقع في نفسي: النخلة، فكرهت أن أتكلم وثَمَّ أبو بكر وعمر، فلما لم يتكلما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هي النخلة» .
وكما شجع الإسلام على مخالطة الصغار للكبار؛ ليتعلموا من خبراتهم، شجع أيضا على مخالطة الصغار للصغار، لكنه يضع ذلك كله في إطار يسيرُ بهذه الخلطة في طريقها الصحيح؛ من خلال التوجيه إلى اختيار الرفقة الصالحة، والالتزام بالعادات الإيجابية في مخالطة الآخرين، نحو: ملاقاة الآخرين بالبشاشة والابتسام، وعدم إفشاء أسرارهم، وعدم التطفل عليهم بالتدخل فيما لا يعني المرء، إضافة إلى ممارسة التناصح، والمشاركة في أعمال البر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتشاور، والأخذ على يد الظالم ... إلى غير ذلك من الآداب الإسلامية المنظمة للاجتماع مع الآخرين.
وفي ضوء ذلك يجب على المربين أن يغرسوا في الناشئة الآداب الإسلامية التي بها يُدْرَك معنى الحق ومعنى الواجب ومعنى التعاون، ويدرك معنى مفاهيم الدين، ومفهوم العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان.
ويمكن للوالدين أن ينميا بعض الخصائص البناءة الإيجابية في نفس الطفل، مثل: الكرم، والشجاعة، والإيثار، ومساعدة الآخرين والتعاون معهم، وإعانة الضعفاء والمرضى والعجزة، وذلك بضرب الأمثلة العملية من حياة الوالدين.
(يُتْبَعُ)