فهرس الكتاب

الصفحة 163 من 20085

كما يمكن لكافة الجهات التربوية بدءا من الأسرة ومرورا بالمدرسة وأجهزة الإعلام أن تتعاون فيما بينها على تدريب الناشئة وتربيتهم؛ كي تدفعهم باتجاه إيجاد العلاقات الاجتماعية السليمة التي تعود بالخير والتقدم على الأمة والإنسانية بكاملها بالخير والرفعة.

التدابير الإسلامية للحفاظ على كيان الأسرة التي تحتوي الطفل:

الأسرة هي الخلية الأولى التي يتكون منها نسيج المجتمع؛ فبناؤها بناء للمجتمع كله، وفي صيانتها ونجاحها صيانة المجتمع ونجاحه، وفي فسادها وانحلالها فساد المجتمع وانحلاله، والأسرة هي الوسط الطبيعي الذي يتعهد الإنسان منذ بداية حياته؛ وهي أساس الترابط والمشاعر والتعاون، ومنها تنشأ شبكة العلاقات والصلات في المجتمع، بل منها تنشأ شبكة العلاقات المتوالدة في البشرية كلها.

ولهذا اهتم الإسلام اهتماما كبيرا بالأسرة وتكوينها والحفاظ على كيانها، فوضع لها من التدابير ما يحافظ على هذا الكيان، ومن أهم هذه التدابير ما يلي:

أولا: جعل الإسلام أساس الأسرة هو الزواج؛ تمشيا مع الفطرة البشرية، وتنظيما لطبيعة الإنسان في شقيها المادي والروحي، وتحقيقا لوسطية الإسلام؛ حتى تكون الأسرة ميثاقا يُلزم كلاًّ من طرفي الأسرة بأداء واجبه تجاه الآخر وتجاه ما سينشأ عن هذه الأسرة من أطفال، ويَحُول دون تَحَوُّل العلاقة بينهما إلى مجرد متعة فقط، قال تعالى: {وأخذن منكم ميثاقا غليظا} [النساء: 21] . وإذا كانت العلاقة بين الزوجين هكذا موثقة مؤكدة، فإنه لا ينبغي الإخلال بها ولا التهوين من شأنها.

ثانيا: جعل الإسلام الزوج والزوجة سواء في الاعتبار البشري، وفي شئون الدنيا والدين، فكلا الزوجين راعٍ وكلاهما مسئول عن رعيته. واعتبار المساواة الصحيحة بين الزوج وزوجته في الحقوق والواجبات، إنما هو في حدود ما يحفظ للرجل كرامته ومكانته، وفي إطار ما تراعَى فيه قدرة المرأة وطاقاتها واستعدادها؛ ولذا يقول الله تعالى: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة} [البقرة: 228] . فلهن حسن المعاشرة، وكفالة الحق المادي والمعنوي، وتبادل الرأي والمشورة، مع مراعاة جانب الحب والإعزاز والتضحية والإيثار؛ وبذلك يصبح البيت المسلم جنة وارفة الظلال، قوامه العدل والرحمة والمنطق والتعقل، وجدرانه قوية التحصين في الداخل والخارج، آمنة من عوامل الزعزعة والأثرة والاضطراب، التي تسبب التلاشي والزوال.

ثالثا: جعل الإسلام كلا من الزوجين مسئولا عن قوام الأسرة؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرجل راعٍ في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها» (رواه الشيخان) .

وقد حدد الإسلام مسئولية كل من الزوجين تجاه الآخر وتجاه الأولاد:

فالأب مسئول عن السعي لجلب الرزق، والإنفاق على الزوجة والولد، وتأمين ما تحتاجه الأسرة من طعام وشراب ... إلخ، مع الحرص على أن يكون سعيه مشروعا، بعيدا عن المحرمات والشبهات. ومن مسئولياته - أيضا - أن يُعِدَّ أسرته للحياة الإسلامية الواعية، وأن يصون بناءها عما يؤدي إلى تفككه وانحلاله.

وإذا كان الرجل هو المسئول الأول عن الأسرة، وهو الراعي والمرجع، فإن الجانب التنفيذي الأهم يكون من مسئولية المرأة؛ لأنها - من حيث الفطرة - مهيأة لهذه المسئولية، بل إن كل إمكاناتها وخصائصها تدل على أنها متخصصة في ذلك، وأن التربية ورعاية الأبناء والعناية بالأسرة هي مسئوليتها وواجبها واختصاصها الطبيعي.

رابعا: جعل الإسلام القوامة في الأسرة للأب أو الزوج؛ لأنه الأقدر على ذلك؛ قال تعالى: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم} [النساء: 34] ، وليست هذه القوامة تشريفا للرجل بقدر ما هي مسئولية ملقاة على عاتقه في تحمل قيادة الأسرة، والسير بها إلى بر الأمان؛ فإن مكان الأب على رأس الأسرة وقيامه بدور القيادة الحقيقية والتوجيه لكل أفرادها - إنما هو مسئولية خطيرة في استقرار الأسرة، وقيامها كخلية سليمة في بناء المجتمع المسلم؛ فالأب هو الذي يضع أسرته في المجتمع ويحدد موقف أفرادها ودورهم في البناء الاجتماعي، ويظل دور الأب في المنهج الإسلامي سليما لا تهزه التيارات الفاسدة؛ لأنه قائم على قيم ثابتة ومعايير سلوكية محددة، يؤصلها الإسلام بمنهجه التربوي حتى لا يفقد دوره في الضبط

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت