فهرس الكتاب

الصفحة 16217 من 20085

أحرقوا كتابه؟!

أم أعلنوا كفره وظاهروا عليه الملأ؟!!

لا لا على رسلك فقد تلقوا كتابه بالقبول وجعلوه جنبا إلى جنب مع الصحيحين واستدركوا عليه أيضا ...

لأنهم عرفوا كيف يتحارون وفقهوا كيف يختلفون،،ولذلك اتفقوا

لأنهم أدركوا كيف يختلفون ,,,ونحن لن نتعلم كيف نتفق إلا إذا تعلمنا كيف نختلف ..

ترى لو كان الحاكم في زماننا؛ أكان سيمتلك الجرأة على أن يستدرك على الصحيحين.؟!!!

إن الواحد منا لا يستطيع أن يستدرك على كاتب من الكتاب إلا وقيل له:

وكيف تتجرأ أن تستدرك عليه أو أن ترد عليه؟!!

أو قيل له على أحسن الأقوال: ومن أنت حتى تستدرك

عليه، مع أن الأمر لا يعدو ان يكون وجهة نظر في مسألة إدارية أو فنية بعيدا عن المجال الفقهي؟؟

وانظر - يارعاك الله - إلى المحققين من علمائنا كيف كانوا يقدرون الرأي ويقبلونه بقبول حسن مع الرد عليه ونقده النقد الموصل إلى طريق الهداية والرشاد، حتى إن مؤلفاتهم كانت تحمل عناوين تدل على مقدار تقديرهم للرأي المخالف،وهاهو الإمام السيوطي - يرحمه الله - يؤلف رسالة في هذا المقام، بعنوان

(جزيل المواهب في اختلاف المذاهب)

وفي مقدمتها يقول: (فصل: اعلم أن اختلاف المذاهب في هذه الملة نعمة كبيرة وفضيلة عظيمة، وله سر لطيف أدركه العالمون، وعمي عنه الجاهلون ... )

وقبله شيخ الإسلام ابن تيمية يؤلف رسالته الماتعة:

(رفع الملام عن الأئمة الأعلام)

بل ولا تذهب بعيدا ولا تعجب إذا قلت لك:إنهم جعلوا من خصائص هذه الأمة ما نصه: (إجماعهم حجة، واختلافهم رحمة واسعة)

وممن حكى هذه المقولة العلامة القسطلاني الشافعي في كتابه (المواهب اللدنية) ومنهم الإمام ابن قدامة الحنبلي - رحمه الله - في مقدمة كتابه المغني قال:

(أما بعد: فإن الله برحمته وطوله ... جعل في سلف هذه الأمة أئمة من الأعلام، مهد الله به قواعد الإسلام، وأوضح بهم مشكلات الأحكام، اتفاقهم حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة، تحيا القلوب بأخبارهم وتحصل السعادة باقتفاء آثارهم ) )

وقال الإمام ابن رجب الحنبلي في كتابه النافع المبارك (( جامع العلوم والحكم ) )في شرحه لحديث (الدين النصيحة) : (ومن انواع النصح لله تعالى وكتابه ورسوله - وهو مما يختص به العلماء - رد الأهواء المضلة بالكتاب والسنة وبيان دلالتهما على مايخالف الأهواء كلها، وكذلك رد الأقوال الضعيفة من زلات العلماء وبيان دلالة الكتاب والسنة على ردها)

ولم يقتصر النقد لدى علمائنا على ذلك بل لقد ذهبوا بعيدا فيما يتعلق بشان الحديث النبوي وقالوا: لابد هنا من قواعد وضوابط لحفظ الحديث النبوي وحمايته من الوضع والتحريف، فكانوا أول أمة تنشئ علما جديدا للنقد:

وهو (الجرح والتعديل) ووضعوا فيه من القواعد التي تريك كيف أنهم لم يكن هدفهم التشهير بهذا أو بذاك وإنما مرادهم حفظ الحديث النبوي دون مجاملة لأخ أو مداهنة لحاكم أو تزلف لسلطان ' أبدا فما أرادوا ذلك، وأنت لو تتبعت القواعد والضوابط التي وضعوها لتبين لك ذلك بوضوح:

(فالواحد منهم كان يتحرى في المسائل الخلافية الاعتدال والإنصاف، واتباع ما يقوم عليه الدليل من غير تشنيع على المخالف ولاتحامل)

بل لا تعجب أبدا فهناك ماهو أكبر من ذلك

لقد جعلوا الخلاف علما، ومن لم يفقه الخلاف بينهم فليس بفقيه!!

حتى قال العلامة ابن خلدون في مقدمته الشهيرة: ((

وهو لعمري - أي علم الخلاف: علم جليل الفائدة في معرفة مآخذ الأئمة وأدلتهم ومران المطالعين له على الاستدلال فيما يرومون الاستدلال عليه .... ))

بل لقد كانت المسائل لدى الإمام الواحد فيها أقوال متعددة، فالإمام أحمد - رحمه الله - وهو من هو في اتباع الأثر والتزام السنة تجد أنه قد يختلف في المسألة الواحدة إلى روايتين أو ثلاث روايات أو أكثر من ذلك، وهو أمر لم ينفرد به الإمام أحمد بل شاركه سائر العلماء في ذلك، حتى إن أحد الباحثين قام بدراسة لنيل درجة الماجستير تحت عنوان: (المسائل الفقهية التي لم يختلف فيها قول للإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه: جمعا ودراسة مقارنة)

(من أراد استعارتها فهي عندي)

يا سبحان الله، المسائل التي لم يختلف فيها قول يمكن حصرها، على ماذا يدل هذا مع وجود آلاف مؤلفة من المسائل، ألا يدل على أن دائرة الخلاف كانت واسعة ...

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت