فهرس الكتاب

الصفحة 16218 من 20085

بل لقد حرروا المصطلحات التي يستخدمونها تحريرا بليغا، وجعلوا لكل مصطلح معنى يراد، وربما كان للمذهب الواحد مصطلحات تختلف عن غيره من المذاهب:

فهناك - مثلا - تعبيرات من قبيل:

الصحيح والأصح.

الظاهر والأظهر

الراجح والمرجوح.

وهذا كله يرينا مدى اتساع دائرة الخلاف ومدى تقبلهم له بضوابطه وحدوده الشرعية دون إفراط او تفريط، ولا يلج باب االاجتهاد - حينئذ- إلا من كان على علم بين بهذا الخلاف ليكون اجتهاده أقرب إلى الصواب.

ترى لولا أنهم اتسعت صدورهم للخلاف، وجعلوا منه علما مستقلا أكان يصل إلينا هذا التراث العظيم من مؤلفاتهم التي وضعوها ومن أفكارهم التي ولدها ذلك الخلاف، والواحد منهم كان يتمنى أن يكون الحق على لسان مخالفه ...

حتى قال الإمام الشافعي نفسه ماناظرت أحدا إلا تمنيت أن يكون الحق على يديه)

أرايت مثل هذا التجرد للحق والنصرة له.

إمام لا يجد أدنى حرج في أن يظهر الحق على لسان خصمه،لأنه لم يختلف معه لمجرد، (خالف تعرف) أو لمجرد أهواء تأخذه ذات اليمين وذات الشمال أو كبرا قد سكن صدره ماهو ببالغه؛ لا - والذي خلقنا مختلفين - ماكانوا يرومون إلا نصرة الحق واتباعه مراعين في ذلك العدل والإنصاف الذي تميزت به هذه الأمة كونها أمة وسطا ..

ألم يؤسس هذا الإمام لمذهب جديد، حتى أصبح له مذهبان: القديم والجديد، وأصبح المذهب الجديد هو المعتمد باستثناء مسائل محدودة من القديم، فماذا كان موقف علمائنا الأوائل؟

هل أحرقوا مذهبه القديم ليتخلصوا منه مادام انه قد رجع عنه؟؟!

كلا؛ بل ازدادوا له دراسة وتنقيحا ليكون هاديا لهم إلى الوصول إلى أقرب قول يرجحونه؛ بل بلغ من عدلهم أن أبقوا الأحاديث الموضوعة كما هي ودونوها في كتب مستقلة، ولم يخشوا تقول قائل، أو تطفل متطفل لأنهم قد حفظوها بقواعد وضوابط محددة، بل أخذوا في دراسة الإسناد دراسة واعية فاحصة، ووضعوا لذلك المؤلفات الكبيرة وتتبعوا سير الرجال فكان هذا طريقا إلى تدوين السير والتراجم بشكل لم تسبق إليه أي أمة من قبل.

وخصصوا كتبا يتتبعون فيها عدالة الرجل أو جرحه بدون أن يقعوا في عرضه أو ان يقعوا في غيبته.

ولو أنك طالعت مكتبة الجرح والتعديل والسير والتراجم لرأيت العجب العجاب من العلوم والقواعد التي تفرعت عن دراستهم للأسانيد، ويتقدمهم الإمام الذهبي بما زود مكتبة الجرح والتعديل من كتب لا نظير لها، فمن أهم كتبه في هذا المجال: (ميزان الاعتدال) و (المغني في الضعفاء) وأما في التراجم فقد كان له قصب السبق في ذلك وما كتابه الجليل (سير أعلام النبلاء) إلا شاهدا له على مقدار علمه وسعة اطلاعه وإنصافه هو ينقد هذا وذام لا يجامل الموافق ولا يظلم المخالف فكلاهما عنده في الحق سواء، ناهيك عن كتابه الموسوعي: (تاريخ الإسلام)

ولابن حجر مزية أخرى في حراسة الدين بهذا العلم حيث ألف كتابه (لسان الميزان) ليكون لسان صدق وميزان عدل يزن به درجة الرجال ,,والكلام في منهجهم يطول في هذا الصدد، بل قد ألفت البحوث الكثيرة التي تتبعت طريقتهم العالية في نقد الرجال، بل لا تعجب إذا قلت لك إن النقد الأدبي عند العرب جاء بعد ظهور النقد عند المحدثين بزمن، حيث استفادوا منه أيما استفادة، يظهر ذلك جليا في كتاب طبقات الشعراء لابن قتيبة - رحمه الله -

وإليك بعض الأمثلة للنقد عند المحدثين ونبدأ بأميرهم الإمام الذهبي في ترجمته للإمام ابن ماجه:

(قد كان ابن ماجه حافظا صدوقا واسع العلم، وإنما غض من رتبة سننه مافي الكتاب من المناكير وقليل من الموضوعات)

وفي مقدمة ابن الصلاح كلمة له ينقد فيها الإمام الحاكم، يقول: (هو - أي الحاكم - واسع الخطو في شرط الصحيح متساهل في القضاء به فما حكم بصحته ولم نجد ذلك لغيره من الأئمة، إن لم يكن من قبيل الصحيح فهو من قبيل الحسن، يحتج به ويعمل به، إلا ان تظهر فيه علة توجب ضعفه)

وكان ابن حزم - يرحمه الله - يقدم رتبة كتب السنن على الموطأ من حيث الصحة، فنقل كلامه الذهبي وقال معقبا عليه: (ما أنصف ابن حزم، بل رتبة(الموطأ أن يذكر تلو الصحيحين، مع سنن أبي داوود لكنه: تأدب وقدم المسندات النبوية الصرفة، وما ذكر سنن ابن ماجه ولا جامع أبي عيسى، فإنه ما رآهما ولا دخلا إلى الأندلس إلا بعد موته.)

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت