فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
فمن فهمها فهمًا حسنًا، وتأمل إقراره بالتوحيد وحث الناس عليه وتسفيه عقول المشركين ومحبته لمن أسلم وخلع الشرك، ثم بذل عمره وماله وأولاده وعشيرته في نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن مات، ثم صبره على المشقّة العظيمة والعداوة البالغة، لكن لما لم يدخل فيه، ولم يتبرأ من دينه الأول، لم يصر مسلمًا، مع أنه يعتذر من ذلك بأن فيه مسبة لأبيه عبد المطلب ولهاشم وغيرهما من مشايخهم.
ثم مع قرابته ونصرته، استغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانزل الله تعالى عليه: {ما كان للنبي والذين ءامنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحب الجحيم} .
والذي يبين هذا أنه إذا عرف رجل من أهل البصرة أو الأحساء بحب الدين وبحب المسلمين، مع أنه لم ينصر الدين بيده ولا ماله، ولا له من الأعذار ما لأبي طالب، وفهم الواقع من أكثر من يدّعي الدين، تبين الهدى من الضلال، وعرف سوء الأفهام، والله المستعان.
الموضع الخامس/ قصة الهجرة:
وفيها من الفوائد والعبر ما لا يعرفه أكثر من قرأها، ولكن مرادنا الآن مسألة من مسائلها، وهي أن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يهاجر - من غير شك في الدين وتزيين دين المشركين، ولكن محبته للأهل والمال والوطن - فلما خرجوا إلى بدر، خرجوا مع المشركين كارهين، فقتل بعضهم بالرمي - والرامي لا يعرفه -
فلما سمع الصحابة أن من القتلى فلانًا وفلانًا شق عليهم، وقالوا: (قتلنا إخواننا) فأنزل الله تعالى: {إن الذيم توفهم الملائكة ظالمى أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرًا * إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدن لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا * فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوًا غفورًا ... الآيات} .
فمن تأمل قصتهم، وتأمل قول الصحابة: (قتلنا إخواننا) أنه لو بلغهم عنهم كلام في الدين، أو كلام في تزيين دين المشركين، لم يقولوا: (قتلنا إخواننا) فإن الله تعالى قد بين لهم - وهم في مكة، قبل الهجرة - أن ذلك كفر بعد الإيمان بقوله: {من كفر بالله بعد إيمنه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمن} .
وأبلغ من هذا ما تقدم من كلام الله تعالى فيهم، فإن الملائكة تقول: {فيم كنتم} ولم يقولوا: (كذبتم) مثل ما يقول الله والملائكة للمجاهد الذي يقول: (جاهدت في سبيلك حتى قتلت) فيقول الله: (كذبت، بل قاتلت ليقال: جريء) وكذلك يقولون للعلم والمتصدق: (كذبت، بل تعلمت ليقال: عالم، وتصدقت ليقال: جواد) ... وأما هؤلاء فلم يكذبوهم، بل أجابوهم بقولهم: {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها} .
ويزيد من ذلك إيضاحًا للعارف والجاهل، الآية التي بعدها، وهي قوله تعالى: {إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدن لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا} فهذا أوضح جدًا أن هؤلاء خرجوا من الوعيد، فلم يبق شبهة، لكن لمن طلب العلم بخلاف من لم يطلبه، بل قال الله فيهم: {صم بكم عمي فهم لا يرجعون ... الآية} .
ومن فهم كلام الحسن البصري، قال: (ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتّمنّي، ولكن ما وقر في القلب، وصدقته الأعمال، وذلك ان الله تعالى يقول: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} ) .
الموضع السادس/ قصة الردة، بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم:
فمن سمعها لا يبقى في قلبه مثقال ذرة من شبهة الشياطين الذين يسمون"العلماء"وهي قولهم: (هذا هو الشرك، لكن يقولون: لا إله إلا الله، ومن قالها لا يكفر بشيء!) .
واعظم من ذلك وأكبر تصريحهم بأن البوادي ليس معهم من الإسلام شعرة، ولكن يقولون: لا إله إلا الله، وهم بهذه اللفظة أهل إسلام، وحرم الإسلام مالهم ودمهم، مع إقرارهم بأنهم تركوا الإسلام كله، ومع علمهم بإنكارهم البعث واستهزائهم بمن أقرّ به، واستهزائهم وتفضيلهم دين آباءهم المخالف لدين النبي صلى الله عليه وسلم.
ومع هذا كله يصرخ هؤلاء الشياطين المردة الجهلة: (أن البدو أسلموا، ولو جرى ذلك كله، لأنهم يقولون: أن لا إله إلا الله) ، ولازم قولهم أن اليهود أسلموا لأنهم يقولونها، وأيضًا كفر هؤلاء أغلظ من كفر اليهود بأضعاف مضاعفة - أعني البوادي المتصفين بما ذكرنا -
(يُتْبَعُ)