شرح الحديث الثاني:
الكسعة: هي الركلة بالقدم في الدبر. وقوله: لعابا أي كثير اللعب والمزاح. وقول: ثاب رجال اجتمعوا.
وحاصل القصة أن أحد المهاجرين كان مزاحا فركل أنصاريا برجله في دبره فغضب الأنصاري وثارت فيه الحمية فاستغاث بقومه فاستغاث المهاجري بالمهاجرين ليدافع كل عن صاحبه فخرج النبي صلى الله عليه وسلم، وزجرهم عن ذلك بقوله:"ما بال دعوى أهل الجاهلية"، أي لماذا تدعون بدعوى أهل الجاهلية وهي التعصب للقبائل والأوطان والمذاهب والأحزاب ونصرهم المطلق سواء أكانوا على حق أم على باطل. ومن دعوى الجاهلية الافتخار بالنسب والتعاظم والتعالي به واحتقار غيره. ونظام الطبقات نظام فاسد متى تمكن من شعب شتت شمله وفرق جمعه وأشاع القطيعة و البغضاء فيما بين أفراده وهو نظام مقدس عند الهنادك يزعمون أن الآلهة حكمت به لترضى كل طبقة بحالها وتسلم سيادة الطبقة التي فوقها. وكذلك كان هذا النظام شائعا في الفرس على طريق القهر والتغلب لا على طريق العقيدة فكانت عندهم طبقة الملوك ثم طبقة الأمراء ثم طبقة أرباب الإقطاع الذين يملكون الأرض ومن يعمل فيها من إنسان وحيوان. وهؤلاء يتوصلون إلى مراتبهم بإقطاع ملك ظالم أو أمير غشوم. وقد يتوصلون إلى ذلك برؤوس أموال ضخمة جمعوها من المناصب العليا أو تعاطي الربا أو هما معا. ومن أهم الإصلاح الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم إبطال هذا النظام كيفما كان نوعه. وقد رأيت بعضه في الشرق ولا أريد ذكره هنا كراهة الخروج عن الموضوع. وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي مالك الأشعري: أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والإستسقاء بالنجوم، والنياحة.
شرح هذا الحديث:
قوله: أربع، أي أربع خصال من أمر الجاهلية أي من صفة الكفار وأخلاقهم والإسلام بريء منها. والأحساب شرف الآباء ومفاخرهم. والطعن في الأنساب احتقار أنساب الناس وذمها وانتقادها. والاستسقاء بالنجوم ادعاء معرفة السنة المخصبة بواسطة النظر في النجوم. والنياحة الندبة على الميت وقد تقدم شرحها. فالملك محمد الخامس رحمة الله عليه أراد أن يعالج أمراض شعبه ليشفيهم بإذن الله من هذا الداء الوبيل وهو في ذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمصلحين من بعده، وقد انتفع كثير من أولي الألباب بهذا الإصلاح المحمدي فتركوا الافتخار بالأنساب واعتمدوا على العلم والعمل. وما أحسن ما قيل في هذا المعنى:
عليك بتقوى الله والزم حدوده ... ولا تترك التقوى اتكالا على النسب
فقد رفع الإسلام سلمان فارس ... وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب
ومما ينسب إلى علي رضي الله عنه:
الناس من جهة التمثيل أكفاء ... أبوهم آدم والأم حواء
فإن يكن لهم في أصلهم شرف ... يفاخرون به فالطين والماء
ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم ... على الهدي لمن استهدى أدلاء
وقال آخر:
عجبت لذي جهل يظن جدوده ... ترقيه والمرفوع بالفعل فاعله
وقال غيره:
لسنا وإن أحسابنا كرمت ... يوما على الأحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا
وقال آخر:
إن كنت تسمو بآباء ذوي حسب ... قد صدقت ولكن بئس ما ولدوا
وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى يوم القيامة: أيها الناس إني جعلت لي نسبا وجعلت لكم نسبا فرفعتم نسبكم ووضعتم نسبي، فاليوم أرفع نسبي وأضع نسبكم، أين المتقون؟.
جريدة الميثاق: عدد 1 ذو القعدة 1382هـ موافق 26 مارس 1963م