فهرس الكتاب

الصفحة 16574 من 20085

وجملة القول: أن الإجماع على حرمة النذر للمخلوق، وأنه لا ينفعه، ولا تشغل الذمة به. فله أن يتصرف فيه في حوائج نفسه، ولا يجوز لخادم الضريح أخذه إلا أن يكون فقيرا، فيأخذه على سبيل الصدقة المبتدأة مع الكراهة.

وصرح الإمام النووي بأنه لا يجوز تقبيل ولا استلام قبور الأنبياء والأولياء والعلماء، ولا الطواف بها، ومن قال بجواز ذلك فهو مخطئ، ولا دليل له من كتاب ولا من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا من عمل الصحابة والتابعين.

ولم يرد في الدين الإسلامي استلام أي شئ للتبرك والعبادة إلا الحجر الأسود الموجود في الكعبة، قد قال في حقه سيدنا عمر:"والله إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك".

ولم يرد في الدين الإسلامي طواف بأي شئ للتبرك أو العبادة إلا بالكعبة المشرفة، امتثالا لأمر الله، واتباعا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولا يجوز اتخاذ الملاهي ولا الملاعب عند المقابر، كسباق الخيل ونحو ذلك. ولا يجوز المزاح والضحك عندها، لأن زيارة المقابر إنما جعلت للاعتبار وتذكر الآخرة، لا للضحك والمزاح، واللهو واللعب .. قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الله يكره لكم ثلاثا: العبث في الصلاة، والرفث في الصيام، والضحك عند المقابر".

بعض العامة يتمسح بالقبور، ويطوف بالأضرحة للتبرك، وهذا خطأ، لأن التبرك إنما يكون باتباعهم في أعمالهم الصالحة التي كانوا يعملونها وهم أحياء. أما الطواف بحجارة قبر الميت،أو بالتابوت الموضوع على قبره فهذا حرام قطعا، لأنه أقرب إلى الوثنية منه إلى شئ آخر .. ومن أجل ذلك كره العلماء التمسح بجدار الكعبة، وبقبر النبي صلى الله عليه وسلم، وكرهوا حتى تقبيل المصحف والتمسح به تعظيما له، لأن تعظيمه لا يكون بتقبيله، وإنما يكون بالعمل بما جاء فيه، وكذلك تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم لا يكون بالتمسح بقبره، وإنما يكون باتباع شريعته وإحياء سنته.

وأما البناء على القبور فهو حرام أيضا، لما رواه مسلم في صحيحه عن جابررضي الله عنه:"أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تجصيص القبور وأن يبنى عليها".

وعن أبي مرثد كناز بن الحصين رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها"رواه مسلم."

وروى أحمد وأبو داود عن أبي سعيد الجدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله عليه وسلم"الأرض كلها مسجد إلا المقبرة أو الحمام". وقال صلى الله عليه وسلم:"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".

قال في الإبداع: وعلى الجملة تحرم الصلاة إلى قبور الأنبياء والأولياء تبركا وتعظيما، وكذلك الصلاة عليها للتبرك والتعظيم، كما صرح بذلك النووي في شرح المهذب، وليس معنى التعظيم أن تقصد أرباب القبور بالسجود، فإن هذا كفر صراح، فمن يقصد السجود لصاحب قبر فهو كافر ولا شك، بل المعنى أنه بتحريه الصلاة على هذا الوجه ـ يعني بقرب قبر الولي ـ زاعما أنه أرجى للقبول عند الله ببركة صاحب الضريح يكون قد أعظم من شأن هذا الولي اهـ كلام الإبداع.

وقال في الإبداع أيضا: وقد أفتى جمع من العلماء بهدم كل ما بقرافة (3) مصر من الأبنية، منهم العلامة ابن حجر. قال في الزواجر: وتجب المبادرة لهدم المساجد والقباب التي على القبور، إذ هي أضر من مسجد الضرار، لأنها أسست على معصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه نهى عن ذلك وأمر بهدم القبور.

ولا يجوز وضع الستور على الأضرحة، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها (وقبح كل من بالإفك رماها، ولم يتب إلى الله ويقر بطهرها وزكاها) أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في غزاة، فلما قدم رأى النمط، فجذبه وهتكه ثم قال:"إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين"والنمط نوع من البسط.

وفي عهد سيدنا عمر كان الناس يذهبون إلى الشجرة التي وقعت تحتها بيعة الحديبية، وهي بيعة الرضوان التي ذكرها القرآن بقوله:"إذ يبايعونك تحت الشجرة"ويصلون تحتها، فأنكر عليهم ذلك ثم أمر بها فقطعت، خوف أن يفتنوا بها فيعبدوها.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت