فهرس الكتاب

الصفحة 16575 من 20085

وروي عن المعرور بن سويد أنه قال: صليت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه في طريق مكة صلاة الصبح، ثم رأى الناس يذهبون مذاهب، فقال: أين يذهب هؤلاء؟ فقيل: يا أمير المؤمنين مسجد صلى فيه

رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم يصلون فيه، فقال: إنما هلك من كان قبلكم بهذا، كانوا يتبعون آثار أنبيائهم ويتخذونها كنائس وبيعا، فمن أدركته الصلاة في هذه المساجد فليصل، ومن لا فليمض ولا يتعمدها. (4)

ولم يقف العامة عند حد فيي تعظيم الموتى، حتى أصبحوا يكتبون العرائض للموتى، ويذكرون فيها أحوالهم لصاحب القبر، ثم يضعونها على القبر اعتقادا منهم أن صاحب القبر ينظر فيها ويستجيب إلى مطالبهم، ولعمري إنها أم الدواهي، وإنها من الشرك على قاب قوسين .. حي يكتب عريضة لميت يشكو فيها في حياته ليفرج عنه ما نزل به، أو ينصفه من ظالم ظلمه!! ولقد اطلعت على إحدى هذه العرائض فوجدت صاحب يستعدي صاحب القبر على حي ظلمه!!.

ولا شك أن هذه الأعمال القبيحة والقريبة من الكفر إن لم تكن كفرا نتيجة جهل متأصل، ونتيجة إهمال أهل العلم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. ومن الأسف أن أناسا يلتمسون الأعذار لهؤلاء الجهال بأنهم يقصدون التبرك بآثار الصالحين. ومن المعلوم أن أكثر من اشتهروا بالصلاح ولهم مزارات سنوية أو شهرية ليس لهم تاريخ يبين ما كانوا عليه في حياتهم، وما كانوا عليه من علم وتقوى .. ولا يخلو الأمر من تعصب قبلي أو طرقي يكون سببا في شهرة الميت؛ فكل قبيلة أو أصحاب طريقة يودون أن يكون لهم شيخ؛ وله شهرة تميزه عن غيره .. ولما أعجزتهم الحيلة من الناحية التاريخية عمدوا إلى هذه الاحتفالات والمزارات، ووجدوا فيها ما يحقق رغبتهم فدأبوا عليها.

ولنسلم أنه ولي صالح، وأنه من الذين آمنوا وكانوا يتقون كما وصف الله أولياءه،فهل هو الذي يقرأ ما يوضع على قبره من العرائض ليفهمها ويستجيب لمطالب أصحابها، وهذا غير معقول، لأن الميت لا يبصر ولا يقرأ .. وهل هو الذي يقضي حوائج أصحابها بنفسه؟ ومعاذ الله أن يكون ذلك، ومعتقد هذا يكون كافرا لأن الذي يقضي حوائج الناس هو الله وحده، وبدون واسطة وقال ربكم ادعوني استجب لكم .

وإذا كان عاجزا عن قضاء حوائج الناس بنفسه،فهل يمكنه أن يطلب من الله أن يقضي ما في تلك العريضة من حوائج؟ وهذا مستحيل، لأن الطلب من الله عمل، والميت لا عمل له، ولا يقدر أن ينفع نفسه ولا غيره، وهو مرهون بعمله، ينعم بما قدم في حياته من خير، ويشقى بما قدم من شر، وهو في أشد الحاجة إلى ما يأتيه من الأحياء، من الدعاء له بالرحمة، والتصدق عليه بشئ يصله ثوابه.

ومن أقبح العادات أن يعين وقت مخصوص لزيارة الولي، ويفرض على الناس مقادير الطعام المطبوخ، ويأتي كل واحد بما فرض عليه، ويأتي الناس من كل فج وصوب، بخيلهم ورجلهم، ونسائهم وأطفالهم، ويقيمون ما طاب لهم المقام وكأنهم في فرح يأكلون ويشربون، لا فرق بين غني وفقير، وما فضل عن الحاجة من الطعام يرمى في المزبلة .. ولاناس ليسوا بحاجة إلى هذا الأكل، ولا هو مخصوص بالفقراء والبائسين .. ولو جمعوا الطعام وأعانوا به إخوانهم المسلمين الذين يقاتلهم المستعمرون وأجلوهم عن أوطانهم، لكان خيرا لهم، ولهم عند الله الثواب العظيم .. ولكنها العادات القبيحة، نتيجة الجهل بتعاليم الإسلام وآثار السلف الصالح، حتى أصبح الناس يعتقدون أنها طاعة، وهي من اقبح المعاصي.

وليس من آثار الصالحين في شئ ما يوجد الأضرحة من التوابيت المحيطة بها، والأعلام وغير ذلك، فإن كل هذا مما اخترعه العامة وجهالهم الذين اتخذوا من هذه القبور مصدر عيش يرتزقون منه، ولا يهمهم ما يترتب على ذلك وافق الدين أو خالفه.

اللهم إن كثيرا مما يقع في الأضرحة منكر لا يصح السكوت عليه. والمسؤول عن إزالته أولا طلبة العلم ، بما كلفهم الله به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن عجزوا فعليهم أن يبلغوا الحكومة وعليها أن تسارع لإزالة هذه المنكرات بما لها من السلطة الشرعية والقدرة على التنفيذ، وتمنع هذه الاجتماعات على المقابر لما فيها من مخالفة التعاليم الإسلامية في زيارة القبور، ومن الآثار المسيئة على عقائد العوام الذين يجب عليهم أن يعتقدوا أنه لا يضر ولا ينفع إلا الله، وأن الميت لا حول له ولا قوة.

وصدق الله العظيم إذ يقول: تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شئ قدير .اهـ.

هوامش

1.الأضرحة جمع ضريح وهو القبر، ويجمع أيضا على ضرائح.

2.قلت (أبوبكر) : الصواب أن يقال مصادفة.

3.القرافة هي المقبرة.

4.قال في الإبداع: ذكر ابن الجوزي هذا في سيرة عمر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت