فهرس الكتاب

الصفحة 16616 من 20085

فشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل السنة مذهبهم في هذا الباب: أنهم لا يكفرون أحدا بعينه إلا إذا علموا أنها قد تحققت الشروط وانتفت الموانع، ومذهبهم في هذا مستقر وظاهر وبين لا إشكال فيه، وقد قرر الشيخ هذا المعنى في مواضع كثيرة.

وابن سينا الذي زعم الأخ محمد الدحيم وأكد زعمه: أن الشيخ تراجع عن تكفيره، يقرر الشيخ أنه من ملاحدة الإسماعيلية، وأنهم أكفر من اليهود والنصارى، وبين ضلاله وكفرياته في كتبه في مواضع كثيرة ومن ذلك:

قال في «الرد على المنطقيين» ص278: «وأما الإلهيات فكلام أرسطو وأصحابه فيها قليل جدا ومع قلته فكثير منه بل أكثره خطأ، ولكن ابن سينا أخذ ما ذكروه وضم إليه أمورا أخر من أصول المتكلمين وأخذ يقول ما ذكره على بعض ألفاظ الشرع، وكان هو وأهل بيته من الملاحدة الباطنية أتباع الحاكم وغيره من العبيديين الإسماعيلية، وأولئك كانوا يستعملون التأويل الباطن في جميع أمور الشريعة علميها وعمليها حتى تأولوا الصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان، وحج البيت، لكن كانوا يأمرون بالشريعة لعوامهم فإنهم كانوا يتظاهرون بالتشيع» . وينظر: مجموع الفتاوى 4/ 162، ودء التعارض 5/ 10.

فهل ينطبق الكلام الذي نقله الذهبي أيها القارئ الناقد لتراث ابن تيمية على ابن سينا؟!

قطعا لا، ولذا كان أخص تلاميذه من بعده ابن القيم يقول في «إغاثة اللهفان» 2/ 266: «فرسل الله تعالى وكتبه وأتباع الرسل في طرف وهؤلاء القوم في طرف، وكان ابن سينا كما أخبر عن نفسه قال: أنا وأبي من أهل دعوة الحاكم، فكان من القرامطة الباطنية الذين لا يؤمنون بمبدأ ولا معاد ولا رب خالق ولا رسول مبعوث جاء من عند الله تعالى، وكان هؤلاء زنادقة يتسترون بالرفض ويبطنون الإلحاد المحض وينتسبون إلى أهل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم وهو وأهل بيته برآء منهم نسبا ودينا» .

بل وغيرهم من العلماء يكفرونه؛ قال ابن أبي الدم الحموي الفقيه الشافعي: «قد اتفق العلماء على أن ابن سينا كان يقول بقدم العالم، ونفي المعاد الجسماني، ولا ينكر المعاد النفساني، ونقل عنه أنه قال: إن الله لا يعلم الجزئيات بعلم جزئي بل بعلم كلي = فقطع علماء زمانه ومن بعدهم من الأئمة ممن يعتبر قولهم أصولا وفروعا: بكفره» .

ذكره الحافظ ابن حجر في «لسان الميزان» 2/ 541.

وكل سني يقرأ كفرياته يقطع بذلك، وهذا كاف في بيان زيف فهمه لكلام الذهبي.

وتكفير من تحققت فيه الشروط وانتفت الموانع = مما لا خلاف فيه، وإنما يكون التكفير لمن كان من الأمة، وإلا فالكافر الأصلي خارج السياق.

وحتى الذهبي الناقل لعبارة الشيخ والقائل: «وبنحو هذا أدين» = تجده يصف أمما بالزندقة والإلحاد من الباطنية والرافضة، بعد نقله لهذا الكلام في سير أعلام النبلاء 14/ 217و566، و15/ 166و173و320، و17/ 119و20/ 583 وغيرها.

إلا أن يقول إن الذهبي نكل عن توبته!

وفي كلام الأخ محمد الدحيم ثناء على كتاب «درء تعارض العقل والنقل» وأنه من أكبر مشاريع ابن تيمية، وذكر أنه في كتاب «منهاج السنة» مختلف، وكان في مرحلة من مراحل الشيخ التي تراجع عنها، ويذكر أنه في «المنهاج» وصل إلى مرحلة التكفير للرافضة وأنه في «النبوات» وهو متأخر عنه اعتبرهم مسلمين.

وأقول: هذا الكلام امتداد للسطحية السابقة والبعد عن التحقيق والنظر العلمي، فتأليف ابن تيمية لـ «منهاج السنة» كان في حدود سنة 710 هـ، كما في مقدمة المحقق الدكتور محمد رشاد سالم رحمه الله 1/ 87، ـ وهناك ذكر الإدلة على ذلك ـ وكانت ولادته رحمه الله عام 661 هـ يعني: أنه ألف منهاج السنة وعمره (50) سنة تقريبا.

يعني أن الشيخ ألف الكتاب في مرحلة متقدمة من عمره، بعد بلوغه مرتبة الاجتهاد، والإمامة في الدين، وبلوغ شهرته الأفاق، بسنين عددا، وقد أحال شيخ الإسلام في «منهاج السنة» على كتابه «درء تعارض العقل والنقل» كما في 2/ 309، و3/ 365، و5/ 275و423و441، أي أنه ألفه بعد «درء التعارض» الذي يعتبره محمد الدحيم من أعظم مشاريعه العلمية والتي جاءت بعد نضجه!

وهذا يدل على أن الكلام مرتجل، وأن القراءة الناقدة التي يدعيها = كلام لا حقيقة له، بل الظاهر أنه لرأي أو هوى مع الشيعة الذي دعوه ووقع معهم وثيقة التسامح.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت