وإن فتنة السماعين للمنافقين في الصد عن جهادهم فتنة عظيمة توجب الحذر من الدخول فيهم بالثقة في خبر المنافق وعداوة المؤمنين تأثرا بدعوى المنافقين والتمهيد لإيقاع الخبال بين المؤمنين بدفع وصفهم بالنفاق والذب عنهم من غير حجة ظاهرة على برائتهم مما ظهر من نفاقهم.
قال الامام ابن تيمية رحمه الله (28/ 231) :
"وأعداء الدين نوعان الكفار والمنافقون وقد أمرالله نبيه بجهاد الطائفتين في قوله (جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم) فى آيتين من القرآن فاذا كان أقوام منافقون يبتدعون بدعا تخالف الكتاب ويلبسونها على الناس ولم تبين للناس فسد أمر الكتاب وبدل الدين كما فسد دين أهل الكتاب قبلنا بما وقع فيه من التبديل الذى لم ينكر على أهله واذا كان أقوام ليسوا منافقين لكنهم سماعون للمنافقين قد التبس عليهم أمرهم حتى ظنوا قولهم حقا وهو مخالف للكتاب وصاروا دعاة الى بدع المنافقين كما قال تعالى (لو خرجوا فيكم ما زادوكم الا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم) فلا بد أيضا من بيان حال هؤلاء."
بل الفتنة بحال هؤلاء أعظم فان فيهم ايمانا يوجب موالاتهم وقد دخلوا في بدع من بدع المنافقين التى تفسد الدين فلا بد من التحذير من تلك البدع وان اقتضى ذلك ذكرهم وتعيينهم بل ولو لم يكن قد تلقوا تلك البدعة عن منافق لكن قالوها ظانين أنها هدى وانها خير وانها دين ولم تكن كذلك لوجب بيان حالها ولهذا وجب بيان حال من يغلط في الحديث والرواية ومن يغلط في الرأى والفتيا ومن يغلط في الزهد والعبادة، وان كان المخطئ المجتهد مغفورا له خطؤه وهو مأجور على اجتهاده فبيان القول والعمل الذى دل عليه الكتاب والسنة واجب وان كان في ذلك مخالفة لقوله وعمله ومن علم منه الاجتهاد السائغ فلا يجوز ان يذكر على وجه الذم والتاثيم له فان الله غفر له خطأه بل يجب لما فيه من الايمان والتقوى موالاته ومحبته والقيام بما أوجب الله من حقوقه من ثناء ودعاء وغير ذلك وان علم منه النفاق كما عرف نفاق جماعة على عهد رسول الله مثل عبد الله بن أبى وذويه وكما علم المسلمون نفاق سائر الرافضه عبد الله بن سبأ وأمثاله مثل عبد القدوس بن الحجاج ومحمد بن سعيد المصلوب فهذا يذكر بالنفاق وان اعلن بالبدعة ولم يعلم هل كان منافقا أو مؤمنا مخطئا ذكر بما يعلم منه فلا يحل للرجل ان يقفو ما ليس له به علم ولا يحل له ان يتكلم في هذا الباب الا قاصدا بذلك وجه الله تعالى وان تكون كلمة الله هى العليا وان يكون الدين كله لله"أ. هـ"
إن بغض تحكيم الشريعة أوظهور الدعوة أوانتشار الحجاب أوالمحافظة على الواجبات أوالبراءة من الكفار هو نفاق ظهر في كثير من المنتسبين للاسلام الذين ظنوا تطبيق الاسلام متعارضا مع الحضارة المعاصرة فكفروا باطنا بكل اسلام فيه أدنى توقف في فتنتها.
وإن توقف المنافق عن مشروع الافساد موقوف على بيان حكم الله فيه من وجوب بغضه وجواز وصفه بالنفاق وبيان مايترتب على اسمه الذي يستحقه من أحكام (لئن لم ينته المنافقون في المدينة لنغرينك بهم ثم لايجاورونك فيها إلا قليلا) .
وقد تعود أهل النفاق على فتاوى التحريم والتأثيم التي لايبين للناس فيها موقفهم من المخالفين بحسب ماتوجبه الشريعة من العدل والورع في الدماء والأموال والأعراض مع الجرأة والقوة في الأسماء والأحكام وإن إيجاب الطاعة على المؤمنين للصاد عن سبيل الله فيما يفضي إلى هذا المحرم بعينه لهو فرع عن هذا السماع لهم.
فكان في إغراء الشيخ عبدالرحمن البراك حفظه الله بهذه المقامات بشارة عظيمة له بتسديد الله تعالى له مع كثرة الصوارف عن هذا الهدى وقلة المعين عليه.
وقد أنزل الشيخ عبدالرحمن الأحكام على الأعيان بتأصيل عقدي ظهر اضطرابه في الصفوف المتوسطة من طلاب العلم والدعاة في هذه المسألة التي هي مورد من موارد الاجتهاد مادامت خلافا في تحقيق مناط الأحكام ولكن الذي يظهر من شواهد الأحوال هو خلاف هذا الظن الحسن.
ثم وقف هذا الإمام في حوار الأديان الذي خارت في تصويره على حقيقته عزائم كثير من أهل العلم والتوحيد فأعطى المقام حقه تصويرا وتفصيلا وتنزيلا في وقت كان بعض السماعين للمنافقين يستدل على هذه الفتنة بمرسل صلاة نصارى نجران في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم جهة المشرق.
ثم كان الموقف من تكفير اليهود والنصارى محل نظر كاد يذهب بالكفر بالطاغوت كله فظهر من قيام الشيخ بالصدع بكفر من شك في كفرهم من الحق ماأقر الله به عيون المسلمين.
وكتابه جواب في الايمان ونواقضه شاهد على وأد المخالفة في أظهر صور مخالفة الايمان في هذا العصر = سن القوانين الوضعية.
ومعالم هذه الدعوة المباركة تظهر جلية في الفرق المبين بين مايتقبله المنافقون من التحريم
المجرد لمشاريعهم في بعض مراحلها وبين مازاده الشيخ في الخطاب الشرعي المثمر في إتيان بنيانهم الخطابي من القواعد فيخر عليهم السقف من فوقهم بين موصوف بنفاق ومغموز بدياثة لاتجعل العامي المساير لركبهم سالما من شؤم صحبتهم.
إن الصالحين الذين يفرقون في هذه المقامات بين الشريف والضعيف مخطؤون في هذا الدين الذي هو في غاية الغنى عن كل مصلحة موهومة توهن أحكامه وتجعل المسلم الصالح موضع اتهام ومراودة عن دينه بدل وضع المنافق في مكانه.
وإن ههنا وهناك في العالم الاسلامي دعوات نجحت والحمد لله في الاستقلال عن كل مؤثر في تميزها من غير حاجة لدعم أحد أو تأثر باستخفاف مرتاب.
وهي تشهد في نجاحها مع وضوح منهجها - في مصر وغيرها - بأن التجديد للدين ليس مربوطا بجماعة ولامرهونا بسيف بل بقاؤها على الحق الخالص خير لها مع الصبر من غير ذلك عند العجز عنه.
ومدارة المخالفين بأنواعهم وترك المنازعة للسنن الكونية ليس متروكا في مثل دعوة الشيخ عبدالرحمن البراك حفظه الله بل هي دعوة ربانية يعرف ذلك فيها من عرفه ويجهله منها من جهله.
فهل يوفق الله أهل الايمان لنصرها أم يفتن بعض السماعين للمنافقين لبعض ذنوبهم بها فيصدون الناس عنها تصوير هذه المقامات العظيمة في الثبات على الثوابت بكونها مجرد (جناح) من أجنحة الخطاب الاسلامي؟
(يُتْبَعُ)