فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وهذا غيضٌ من فيضٍ، وليس هو بيت القصيد الذي أنشده بهذه الكلمة، وإنما أقصد عيِّنَة من الصراع الدائر بين الفريقين ذات صلة بالمساجد المنحرفة انحرافًا فاحشًا عن قبلة المسلمين أو المستديرة عنها، وقف فيه أهل الفرقة مواقف جاهلية: من الجمود على الباطل وعدم الإصغاء إلى حجة المخالف والحرص على عدم استقرار المساجد في عبادة جماعية لا ينبغي الاختلاف فيها، فهذه المسألة هالت القوم وأهاجت، فحدثت فتن وتعصُّبات في معظم المساجد المعنية بهذا الانحراف والميل الشديد عن قبلة المسلمين فهجر بعضهم هذه المساجد، وعامَّتهم لا تكترث لغلبة الجهل، حتى إنهم ليولون أمر دينهم إلى من لا يهتم بدينه، فضاعت الأمانة بسبب إسنادها إلى العاجزين عن تحملها وغير القادرين على تسييرها والمحافظة عليها، وإلى الله المشتكى.
هذا، وتجليةً لمسألة قبلة المسلمين وما يستتبعها من استثناءاتٍ وجزئياتٍ فقهيةٍ التي وقع فيها الخلاف من حيث معرفةُ الواجب في استقبالها وفي تحديد مقدار الجهة وضابط الانحراف اليسير ونحو ذلك من المسائل الفرعية، أضعها بين يدي المنصف العدل -تبرئةً للذِّمة ورجاءَ تحقيق الأُلفة- فأقول -مستعينًا بالله تعالى-:
لا خلاف بين العلماء على أنَّ استقبال القِبلة شرط في صحة الصلاة (3) ، وقبلةُ المسلمين هي الكعبة المشرَّفة، ولزوم التوجُّه إليها بالصلاة من مقتضيات قول الله تعالى: ?قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ? [البقرة: 144] ، وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلَّم إذا قام إلى الصلاة استقبل الكعبةَ في الفرض والنفل، وكان صلى الله عليه وآله وسلم يقول للمسيء صلاته: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ» (4) .
ولا يسقط استقبال القبلة عن المصلي إلاَّ مِنْ عَجْزٍ: كالمريض الذي لا يقدر على الحركة والمكرَه والعاجز لقوله تعالى: ?فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ? [التغابن: 16] ، ولقوله تعالى: ?لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا? [البقرة: 286] ، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأمْرٍ فَأتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (5) .
أو مِن ضرورةٍ: كشدة الخوف من العدو أو عند التحام الصفين للقتال، ويشهد له قوله تعالى: ?حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ. فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا? [البقرة: 238 - 239] ، ويوضِّح الآية حديث ابن عمر رضي الله عنهما في صلاة الخوف بقوله: « .. فإن كان خوفٌ هو أشدَّ من ذلكَ صَلَّوا رجالًا قيامًا على أقدامهم أو ركبانًا مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها» (6) .
أو مِن اجتهادٍ: كمَن خفيت عليه القبلة فاجتهد ثمَّ تبيَّن خَطَؤُه بعد فراغه من الصلاة، فإنَّ صلاته صحيحةٌ ولا إعادة عليه، لحديث عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَلَمْ نَدْرِ أَيْنَ القِبْلَةُ، فَصَلَّى كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا عَلَى حِيَالِهِ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ?فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ? [البقرة: 115] » (7) .
أمَّا إذا تبيَّن له خطؤُه أثناء الصلاة فالواجب أن يستديرَ إليها في الصلاة لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: «بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءَ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ، إِذْ جاءهم آتٍ، فَقَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ، فَاسْتَقْبِلُوهَا» ، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ» (8) ، ففيه دليل على أنَّ ما صلَّوْه اتجاه الشام لا تأثير له لعدم حصول العلم فيه باستقبال القبلة.
(يُتْبَعُ)