والمعلوم -أيضًا- أنه لا فرق بين صلاة الفريضة والنفل في استقبال القبلة (9) ، إلاَّ أنه يُستثنى من التطوع صلاة الراكب لحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ أَنْمَارٍ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ مُتَوَجِّهًا قِبَلَ الْمَشْرِقِ مُتَطَوِّعًا» (10) ، وعنه رضي الله عنهما: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ، فَإِذَا أَرَادَ الْفَرِيضَةَ نَزَلَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ» (11) .
هذا، وإذا كان المصلي يرى الكعبة ففرضه أن يستقبل عين الكعبة لأنها الأصل، ويدخل في ذلك مَن أخبره ثقة في مكة أو نحوها بجهة عينها بيقين، ومن لم يكن مشاهدًا للكعبة ففرضه جهة القبلة، وتتسع الجهة في حق المصلي بالبعد عن مكة، إذ كلّما تباعدت الدائرة عمّت واتسعت، ودليل استقبال جهة الكعبة قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لاَ تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلاَ تَسْتَدْبِرُوهَا بِبَوْلٍ وَلاَ غَائِطٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» (12) ، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ» (13) ، فهذا الحديث والذي قبله يدلان على أنّ الفرض استقبالُ الجهة لا العينِ في حقِّ من تعذَّرت عليه العين، ذلك لأنّ المعاين لا تنحصر قبلته بين الجهتين المشرق والمغرب نظرًا لقربه من الكعبة، بل كلُّ الجهات في حقِّه سواء متى قابل العين أو الشطر، ولو كان الواجب إصابة العين لما صحَّت صلاةُ أهل الصف الطويل عن خط مستو، والصلاةُ بهذه الصورة تصحُّ اتفاقًا، قال ابنُ رشدٍ -رحمه الله-: «واتفاقُ المسلمين على الصفِّ الطويل خارج الكعبة يدلُّ على أنَّ الفرض ليس هو العين -أعني إذا لم تكن الكعبة مبصرة-» (14) ، وقال البهوتي -رحمه الله-: «ولانعقادِ الإجماعِ على صحّة الاثنين المتباعدين يستقبلان قبلة واحدة، وعلى صحّة صلاة الصفِّ الطويل على خط مستو» (15) ، وقال الصنعاني -رحمه الله-: «فالحقُّ أنَّ الجهة كافيةٌ ولو لمن كان في مكةَ وما يليها» (16) ، والحديث دلّ -أيضًا- على أنَّ كلَّ ما بين المشرق والمغرب يُعدُّ قبلةً لأهلِ المدينة وما وافق قبلتها وجرى مجراها، أمَّا بقية الأقطار والبلدان فتختلف جهتُها بحسب موقعها الجغرافي، فإن كانت عن الكعبة غربًا أو شرقًا كانت القبلة ما بين الشمالِ والجنوبِ، وإن كانت عن الكعبة جنوبًا أو شمالًا صارت القبلة في حقِّه ما بين المشرق والمغرب، وقد تقع القبلة لبعض البلدان في الجنوب الشرقي وفي الجنوب الغربي فتكون جهتهم ما بين الجنوب والشرق أو ما بين الجنوب والغربِ، ولبعض البلدان الأخرى تقع القبلةُ في الشمال الشرقي أو في الشمال الغربي فتكون جهتهم ما بين الشمال والشرق أو ما بين الشمال والغرب، لأنَّ الفرض في كلِّ ذلك استقبالُ القبلة.
هذا، ويجوز الاستعانة على معرفةِ القبلةِ بالدلالاتِ الكونيةِ، حيث تُعْرَفُ القبلةُ ليلًا بطلوعِ القمر وغروبه، وبالقطب الشمالي وغيره من النجوم، وفي النهار بطلوع الشمس وغروبها، لقوله تعالى: ?وَعَلاَمَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ? [النحل: 16] .
قال النووي في معرض الاستدلال على الاستعانة بالشمس والقمر والجبال والرياح في معرفة القبلة: «ولا يصح إلا بأدلة القبلة -وهي كثيرة وفيها كتب مصنّفة- وأضعفها الرياح لاختلافها، وأقواها القطب» (17) ، وقال الإمام أحمد عن تعلّم النجوم لمعرفة القبلة والطريق: «ما أحسن تعلّمها! وأثبتُها القطب» (18) .
ولا مانع شرعًا من الاستعانة بالأجهزة والآلات الفلكية الحديثةِ في تعيين القبلة أو في ضبط جهتها إذا ثبتت فعاليتها عند أهل الاختصاص والمعرفة الفلكية من المسلمين، وقد تصل الاستعانة بالدلائل الكونية والأدوات الحديثة إلى حدِّ الوجوب إذا لم يجد دليلًا سواها. قال ابن عبد البر -رحمه الله-: «أن تكون الكعبةُ بحيث لا يراها فيلزمه التوجه نحوها، وتلقاؤُها بالدلائل، وهي: الشمس والقمر والنجوم والرياح، وكلّ ما يمكن به معرفة جهتها» (19) .
(يُتْبَعُ)