وإذا كان ما بين المشرق والمغرب قبلة فعلى المصلي أن يتحرى الوسط كما نقل عن أحمد وغيره (20) ، والانحرافُ اليسير عن جهة اليمين أو اليسار لا يضرُّ كما قرّره أهل العلم، قال ابن عبد البر -رحمه الله-: «وأما من تيامن أو تياسر مجتهدًا فلا إعادة عليه في وقت ولا غيره» (21) ، وقال البهوتي -رحمه الله-: «ويعفى عن انحرافٍ يسيرٍ يمنةً أو يسرةً للخبر، وإصابةُ العين بالاجتهاد متعذِّرة فسقطت وأقيمت الجهة مقامها للضرورة» (22) ، وضابط الانحراف اليسير يرجع تحديده إلى عرف الناس بالنظر إلى عدم ورود تحديدٍ له في الشرع، وعرفُ الناس يقضي بأنَّ كلَّ ميل عن القبلة لا يصيِّر الكعبةَ عن يمينه أو شماله بل يبقى مقابلًا لها لجهتها فهو من اليسير، وبهذا الاعتبار يمكن تعداد ما دون نصف الزاوية القائمة يمينا أو شمالًا كأقصى درجة اليسير ما دامت الكعبة تلقاء وجهه، وأمَّا زيادة الانحراف عن نصف الزاوية القائمة يمينًا أو شمالًا فإنه انحراف كبيرٌ وفاحشٌ يُخْرِجُ المصليَ عن كونه مستقبِلَ الكعبةِ، بل الكعبة تصير في حَقِّه جهة يمينه أو شماله، الأمر الذي يُخِلُّ بشرطية استقبال القبلة، فتبطل الصلاة -إن علم- لتخلُّف شرطها وتجب الإعادة في الوقت، وهذا عند عامة الفقهاء وعليه مذهب المالكية أيضًا، ومن نصوصهم:
-قال في «تهذيب المدونة» : «ومن علم -وهو في الصلاة- أنه قد استدبر القبلة أو شرّق أو غرّب قطع وابتدأ الصلاة بإقامة (23) .. وإن عَلِم في الصلاة أنه انحرف يسيرًا فلينحرف إلى القبلة ويبني» (24) .
-وقال الدردير -رحمه الله-: «أمَّا لو صلى إلى جهة اجتهاده فتبيَّن خطؤه فإنه يعيد في الوقت إن استدبر أو شرَّق أو غرَّب -كما في المدونة- لا إن انحرف يسيرًا» (25) .
-وقال الصاوي -رحمه الله-: «فإن لم يستقبلها الأعمى المنحرف كثيرًا بعد العلم بَطَلت، لأنَّ الانحراف الكثير مبطل مع العلم سواء علم به حين الدخول أو علم به بعد دخولها، وأمَّا المنحرف يسيرًا أعمى أو بصيرًا إذا لم يستقبل لا تبطل صلاته» (26) .
قلت: والانحراف اليسير -وإن صحت به الصلاة الماضية ولا إعادة عليه- إلاَّ أنه لا يجوز تعمُّد هذا الانحراف إذا ما أمكن تعديله، فالواجب استقبال القبلة المعلومة وتعديل الصفوف اتجاهها عملًا بالنصوص الشرعية المتقدمة في استقبال القبلة، وما تقدم من أقوال بعض فقهاء المذاهب.
هذا، وإن بُني المسجد على ميلٍ كثيرٍ عن القبلة وانحرافٍ مُضِرٍّ فلا يشفع في تصحيح الصلاة استدارة الإمام بمفرده نحو القِبلة دون بقية المأمومين؛ لأنَّ الإمام لا يتحمَّل عن المأموم الشرط ولا تعمُّد ترك الواجب.
وأخيرًا، فعلى المشرفين على المساجد ذات الانحراف الظاهر والمسئولين المباشرين ومن فوقهم أن يتَّقوا اللهَ في صلاة المسلمين وقبلتهم، فالاختلاف في هذه المسائل بعد معرفة الحقِّ مذموم في شريعة الإسلام، فالواجب التخلص منه، فهو ليس من الله، كما قال تعالى في حق القرآن: ?وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا? [النساء: 82] ، بل الاختلاف من أسباب ضعف الأمة، قال تعالى: ?وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ? [الأنفال: 46] ، وفي معرض توضيح الاختلاف المذموم شرعًا يقول ابن حزم -رحمه الله- بما نصَّه: «وإنما الذمُّ المذكور والوعيد الموصوف لمن ترك التعلُّق بحبل الله تعالى وهو القرآن وكلام النبي صَلَّى الله عليه وآله وسلم بعد بلوغ النصّ إليه وقيام الحُجَّة به عليه، وتعلق بفلان وفلان مقلدًا عامدًا للاختلاف داعيًا إلى عصبية وحمية الجاهلية قاصدًا للفرقة متحرِّيًا في دعواه برد القرآن والسُّنة إليها فإن وافقها النص أخذ به وإن خالفها تعلَّق بجاهليته وترك القرآن وكلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فهؤلاء هم المختلفون المذمومون وطبقة أخرى، وهم قوم بلغت بهم رقة الدِّين وقِلة التقوى إلى طلب ما وافق أهواءهم في قول كلِّ قائلٍ فهم يأخذون ما كان رخصةً من قول كلِّ عالم مقلدين له غير طالبين ما أوجبه النصُّ عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وآله سلم» (27) ، كما أنَّ على المشرفين والمسئولين المباشرين أن يحافظوا على عمارة مساجد الله بتحقيق العدة الإيمانية، قال تعالى: ?إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ
(يُتْبَعُ)