ـ الإمامة في الدين: تنال بالصبر واليقين؛ قال تعالى: ?وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ? [السجدة: 24] .
ألوان من الصبر:
الصبر أنواع كثيرة ـ بحسب المتعلقات ـ لاشتماله على خلال الإسلام، وأخلاقه الفاضلة؛ لذا لا تكاد تجد مقاما من مقامات الدين ـ من أولها إلى آخرها ـ إلا ولها ارتباط متين، وصلة وطيدة بخلق «الصبر» ولنضرب لذلك أمثلة:
الصبر على شهوة المعدة يسمى: قناعة، وضده: الشره، والصبر عن شهوة الفرج يسمى: عفة، وضده: الشبق، والصبر عن حفظ السر يسمى: كتمانا، وضده: نكث العهد، والصبر عن فضول المعيشة يسمى: زهدا، وضده: الحرص، والصبر عند القتال يسمى شجاعة، وضده: الجبن، والصبر عند الغضب يسمى حلما، وضده الحمق، والصبر عند المصيبة يسمى صبرا، وضده: الجزع أو الهلع، والصبر عند الحرمان يسمى: ضبط النفس، وضده: البطر، والصبر عند توقع الأمور يسمى: تؤددة، وضده: الطيش، والصبر عن شح النفس وإمساكها يسمى جودا، وضده: البخل.
تنبيه: قد ذكر الله تعالى هذه الأنواع من الصبر، وسمى الكل صبرا، فقال سبحانه: ?وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ? [البقرة: 177] ، فالبأساء: المصيبة، والضراء: الفقر، والبأس: الحرب.
الصبر ضرورة ملحة وفريضة شرعية:
الصبر يلازم ابن آدم في جميع أحواله، ويرافقه في كل تقلباته، فهو ضرورة لازمة، بل به بلوغ الآمال وإنجاح الأعمال؛ فلولا الصبر ما انتصر حق، ولا نهضت أمة؛ ولولا صبر الزراع على بذره ما حصد، ولولا صبر الغارس ما جنى، ولولا صبر طالب العلم ما نجح ولا فاز، ولولا صبر المجاهد في سبيل الله ما انتصر؛ فمن صبر ظفر، ومن ثبت نجح، ولله در من قال:
لا تحسب المجد تمرا آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
ولما كان الصبر بهذه المثابة: أمر الله تعالى ـ في كثير من الآيات ـ منها: قوله تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ? [آل عمران: 200] ونهى عن ضده، فقال سبحانه: ?فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ? [الأحقاف: 35] .
والصبر الممدوح: هو الذي يكون ابتغاء وجه الله تعالى وحده، قال تعالى: ?وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ? [لرعد: 22] والذي لا سخط فيه، ولا شكوى معه، ولا تبرم ولا جزع بعده، ولقد أحسن من قال:
وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم
والصبر المحمود صاحبه: هو ما كان في أوانه، ولم يأت بعد وقته، لأن الناس جميعا يصبرون، لكن شتان بين صبر الاختيار وصبر الاضطرار؛ روى الشيخان عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر، فقال: «اتَّقِي اللهَ وَاصْبِرِي» ، قالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنَّه النبي صلى الله عليه وسلم، فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: «إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى» .
أقسام الصبر:
الصبر أقسام عديدة، وهذا باعتبارات مختلفة:
الصبر باعتبار جهة التحمل: وهو ضربان:
ضرب بدني: كتحمل المشاق، والثبات عليها؛ وهو: إما بالفعل: كتحمل ثقل العبادات (كالوضوء على المكاره، والقيام الطويل في الصلاة والحج ... ) أو باحتمال المرض الشديد، أو الجراحات المؤلمة، أو الضرب الموجع ... إلخ.
وضرب نفسي: وهو ضبط النفس، حتى تصبر على مشتهيات الطبع، والهوى، وهو المحمود التام.
الصبر باعتبار اختلاف الحال: وهو ثلاثة أنواع:
صبر على الطاعة: كالصبر على أداء الصلوات في أوقاتها.
والصبر عن المعصية: كاجتناب ما حرم الله من الموبقات والآثام.
والصبر على قضاء الله وقدره: والذي لا كسب للعباد فيه، كالصبر على فقد الولد، وذهاب المال.
فائدة: تحصيل النوعين الأوليين من الصبر: سبب: سبب دخول الجنة، وسبب النجاة من النار، ودليل ذلك: ما رواه مسلم في «صحيحه» عن أبي هريرة مرفوعا: «حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ» .
(يُتْبَعُ)