فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
فيحتاج العبد المؤمن إلى نوعين من الصبر: صبر على المكاره: ليدخل الجنة، وصبر عن الشهوات: لينجو من النار.
مجالات الصبر: الصبر يكون على ما تحبه النفوس، أو عما تكرهه، وهتك بعض مجالاته:
ـ الصبر على بلاء الدنيا: الدنيا فيها آلام نفسية، أسقام بدنية، وفقدان الأصحاب، وخسران الثروات، وإيذاء الناس، ومتاعب العيش ومشاق الحياة؛ وهذه الأمور: يتساوى فيها الناس جميعا، فلا يسلم منها بر ولا فاجر، ولا يُعصم منها مؤمن ولا كافر، قال الله تعالى: ?وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ? [البقرة: 155 ـ 156] ، وهذا النوع: هو الشائع عند ذكر لفظ «الصبر» .
ـ الصبر عما تشتهيه النفوس: وهو أضرُب، منها: الابتلاء بالسراء لا بالضراء، وبالغنى لا بالفقر، وبالنعمة لا بالنقمة، قال الله تعالى: ?وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً? [الأنبياء: 35] ، وقال تعالى ـ حاكيا قول سليمان صلى الله عليه وسلم ـ: ?هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ? [النمل: 40] ، وقال تعالى: ?فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَن ِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ? [الفجر: 15 ـ 16] .
فالمؤمن مُطالب بالصبر على النعم الكثيرة التي أسبغها الله عليه، وذلك بعدم الركون إليها، والانهماك فيها، وبرعاية حقوقها، وتسليمها مستحقيها، والصبر في السراء: أشد وأشق من الصبر في الضراء، قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: «ابتلينا ـ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ بالضراء فصبرنا، ثم ابتلينا بالسراء ـ بعده ـ فلم نصبر» رواه الترمذي بإسناد حسن. [ «صحيح سنن الترمذي» (2004) ] .
ـ الصبر على طاعة الله: قال تعالى: ?فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ? [مريم: 65] ، وقال: ?وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا? [طه: 132] ، ثم إن من هذه العبادات والطاعات ما يكره بسبب الكسل؛ كالصلاة ـ، ومنها ما يكره بسبب البخل؛ كالزكاة، ومنها ما يكره بسببها معا؛ كحج بيت الله.
فائدة: إذا أراد المؤمن أن تُقبل منه أعماله الصالحة، وتنفعه قرباته، فعليه أن يصبر على طاعاته، وذلك في مراحل ثلاث:
قبل الطاعة: بالإخلاص في العمل، والابتعاد عن الرياء وحب الظهور، قال تعالى: ?إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ? [هود: 11] .
أثناء الطاعة: بالمحافظة على شرط القبول، وعدم الغفلة عن الله، والابتعاد عن الكسل والفتور، قال تعالى: ?الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ? [العنكبوت: 59] .
بعد الطاعة: بكتمان القربة، وعدم إفشائها للناس، خشية الرياء المحبط للعمل، قال تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى? [البقرة: 264] .
ـ الصبر في الدعوة إلى الله تعالى: على الدعاة أن يكونوا دائما نشطين في الدعوة إلى دين الله ـ وإن أوذوا وابتلوا ـ لأن أذية الداعين إلى الخير من طبيعة البشر، إلا من هدى الله، قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ?وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا? [الأنعام: 34] ، وكلما قويت الأذية: قرب النصر، لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «النَّصْرُ مَعَ الصَّبْرِ، وَالفَرَجُ مَعَ الكَربِ، وَإِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا، وَإِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا» أخرجه الخطيب ـ في التاريخ ـ والديلمي عن أنس [ «الصحيحة» (2382) ] ، وليس النصر مختصا بأن ينصر الإنسان في حياته، ويرى أثر دعوته قد تحقق، بل النصر قد يكون ولو بعد موته، بأن يجعل الله في قلوب الخلق قبولا لما دعا إليه، وأخذا به وتمسكا، فإن هذا يعتبر نصرا لهذا الداعية، وإن كام ميتا.
فعلى الداعية أن يكون صابرا على دعوته، مستمرا فيها، صابرا على ما يعترض دعوته، وهاهم الرسل ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ أوذوا بالقول وبالفعل فصبروا، قال الله تعالى: ?كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ? [الذاريات: 52] ، وقال: ?وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ? [الفرقان: 31] .
عن عبد الله بن مسعود قال: «كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبيا من الأنبياء، ضربه قومه فأدموه ـ وهو يمسح الدم عن وجهه ـ ويقول: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ» رواه البخاري ومسلم.
نكتة: تأمل ـ أخي الكريم ـ جيدا في قول الله تعالى: ?إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلًا? [الإنسان: 23] فكان من المنتظر ومن المتوقع أن يقال: (فاشكر نعمة ربك) المتمثلة في إنزال القرآن الكريم عليه صلى الله عليه وسلم؛ ولكنه ـ عز وجل ـ قال: ?فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا? [الإنسان: 24] وفي هذا إشارة إلى أن كل من قام بهذا القرآن، ودعا إليه فلا بد أن يناله أذى، مما يحتاج إلى الصبر.
وتأمل ـ أيضا ـ في قول لقمان الحكيم ـ وهو يعظ ابنه ـ: ?يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ? [لقمان: 17] ولما كان الداعي إلى الله تعالى آمرا بالمعروف، وناهيا عن المنكر، فهو معرض للأذية ولا بد؛ لذا أردف الحكيم نصيحته بقوله: ?وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ? [لقمان: 17] .
هذا، ومجالات الصبر كثيرة ومتنوعة، ولعل فيما ذكرنا كفاية، والله تعالى أعلى وأعلم، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
قضايا تربوية - مجلة الإصلاح
(يُتْبَعُ)