(2/ 452) ومن طريقه خرجها البيهقي في الصفات قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو زكريا يحيى بن محمد العنبري ثنا محمد بن عبد السلام ثنا إسحاق الحنظلي ثنا عبد الرزاق عن عمر بن حبيب المكي عن حميد بن قيس الأعرج عن طاوس قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما فسأله: مم خلق الخلق؟ قال: من الماء والنور والظلمة والريح والتراب، قال الرجل: فمم خلق هؤلاء؟ قال: لا أدري، ثم أتى الرجل عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما فسأله، فقال مثل قول عبد الله بن عمرو، قال: فأتى الرجل عبد الله بن عباس فسأله فقال: مم خلق الخلق؟ قال: من الماء والنور والظلمة والريح والتراب، قال الرجل: فمم خلق هؤلاء؟ فتلا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا) فقال الرجل: ما كان ليأتي بهذا إلا رجل من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم"، قال البيهقي: أراد أن مصدر الجميع منه أي من خلقه، وإبداعه واختراعه، خلق الماء أولا أو الماء وما شاء من خلقه لا عن أصل ولا على مثال سبق، ثم جعله أصلا لما خلق بعده، فهو المبدع وهو البارئ لا إله غيره ولا خالق سواه"، فذكر أن الخلق وُجدوا من ماء ونور وظلمة وريح وتراب، وسأبين ذلك أكثر:
فأما عن معنى خلقهم من النور والظلمة والتراب: فإن الذي خُلق من نور فهم الملائكة فقط، أمّا بنو آدم، فإنَّ الله خلق أباهم آدم يوم الجمعة من قبضة تراب أخذها من جميع أديم الأرض كما في الحديث، ثم خلق الله أرواح بنيه فاستخرج من ظهر آدم ذريةً أصابهم من نوره، فقال هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، والذين على الشمال أخطأهم نوره فكانوا في ظلمة وقال: هم إلى النار ولا أبالي"، وروى عبد الله بن الديلمي عن عبد الله بن عمرو قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن الله تبارك وتعالى خلق خلقا [فجعلهم] في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه شيء من ذلك يومئذ اهتدى ومن أخطأه ضل فلذلك يقول جف القلم على علم الله عز وجل"،"
فأما معنى كون الخلق خلقوا من ماء: فلأنه هو الأول وهو أصل المخلوقات جميعا، للأدلة التالية:
الدليل الأول: وهو السابق من حديثِ عبد الله بن عمرو وابن الزبير وابن عباس رضي الله عنهم لما سألهم الرجل: مم خلق الخلق؟ قال: من الماء والنور والظلمة والريح والتراب"، ويبينه:"
الدليل الثاني: رواه سعيد بن منصور ثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن مجاهد قال:"بدء الخلق العرش والماء والهواء، وخلقت الأرضون من الماء .."، ولم يذكر الترتيب، وإنما هو الماء فالهواء ثم العرش كما بينا وسيتبين.
الدليل الثالث: وفيه أنَّ الماء هو أول المخلوقات وأصلها، مُتَحَرِّكُها وجامدها، ومنه خُلق كل شئ، كما قال الله تعالى: {أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي} ، قال الطبري عن معناها: وأحيينا بالماء الذي ننزله من السماء كل شيء"، ثم ذكر:"أنه يحيا بالماء الزروع والنبات والأشجار وغير ذلك مما لا حياة له ولا يقال له حي ولا ميت"، ثم قال:"لأنه لا شيء من ذلك إلا وله حياة وموت وإن خالف معناه في ذلك معنى ذوات الأرواح في أنه لا أرواح فيهن"،"
الدليل الرابع: وهو صحيح مُفسر للآية مؤكد لها، خرجه البيهقي في الصفات من باب بدإ الخلق أخبرنا أبو الحسين بن بشران أنا أبو جعفر الرزاز ثنا جعفر بن محمد بن شاكر ثنا عفان ثنا همام عن قتادة عن أبي ميمونة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني، فأنبئني عن كل شيء؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «كل شيء خلق من الماء .. » "، توبع عفان، فقال الإمام أحمد (2/ 493) ثنا عبد الصمد ثنا همام ثنا قتادة عن أبي ميمونة عن أبي هريرة مثله، تابعهما أبو عامر العقدي ويزيد بن هارون وابن مهدي عن همام، وقد توبع همام: فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أبو الجماهر حدثنا سعيد بن بشير حدثنا قتادة عن أبي ميمونة عن أبي هريرة مثله"، وصححه الحاكم والذهبي، وقال ابن كثير في تفسيره للآية: وهذا إسناد على شرط الصحيحين إلا أن أبا ميمونة من رجال السنن واسمه سليم والترمذي يصحح له وقد رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة مرسلا والله أعلم"."
(يُتْبَعُ)