فهرس الكتاب

الصفحة 17688 من 20085

هذا، وأما مقاطعة البضائع والمنتجات لبعض الدول الكافرة فإن حكمها يختلف باختلاف طبيعة المجتمع المسلم، وقوة شوكته، وانعكاسات المقاطعة عليه، ذلك لأن المعلوم أن الدولة التي يعتمد اقتصادها وصناعتها على استيراد المنتوجات التجارية، والمواد المصنعة من الدول الكافرة، فهي مرهونة بها لضعفها، والكفر ملة واحدة، والكفار على قلب رجل واحد على أهل الإسلام، فلو قوطعت بعض البلدان الكافرة، فإنَّ الارتباط بغيرها يبقى مستمرًّا على الدوام لانتفاء قيام الأمة بنفسها، ولو تنازلت هذه الدول لحساب المقاطعين، فإنها لا تعود على مصلحة الإسلام ومنافعهم لهوانهم وضعف شوكتهم.

وهذه النظرة المآلية تقديرية، غير أنَّ ولي الأمر المسلم -في مراعاته لمصالح المسلمين وتقديره للمفاسد- إنْ حكَّم سلطته التقديرية، بمشورة أهل الرأي والسداد، واختار المقاطعة الجماعية لأي بلد كافر، كحل مناسب، يعلي به راية الدين، وينصر به المسلمين، ويخزي به الكافرين، فإن طاعته فيما حكَّم لازمة لارتباط هذا الاختيار بالشئون الأمنية والعسكرية للبلاد التي تناط مهامها بولي الأمر دونما سواه، جريًا على قاعدة:"تصرف الحاكم يناط بالمصلحة"إذ أنَّ:"منزلة الإمام من الرعية منزلة الولي من اليتيم"كما قال الشافعي رحمه الله (5) ، وعلى هذا المعنى تحمل الأحاديث الصحيحة الواردة في حصاره صلى الله عليه وآله وسلم لبني النضير، وتحريق نخيلهم، وفي منع ثمامة بن أثال، فقال لأهل مكة:"وَاللهِ لاَ يَأْتِيكُمْ مِنَ اليَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ" (6) وغيرها من الوقائع الكثيرة الدالة على الجهاد بالمال وغيره من أنواع الجهاد، المبنية على درء المفاسد وجلب المصالح فهي محمولة على تقدير إمام المسلمين وإذنه.

ومما تقدم تقريره، فيمكن ترتيب الحاصل منه على الوجه التالي:

أولا: إنَّ الأصل في التعامل التجاري والمالي مع الكفار جائز مطلقًا مالم يكن التعامل فيه محرما سواء كان عينًا أو عوضًا أو منفعة أو إجارة، كما لا يجوز أن يكون فيه إعانة على أهل الإسلام، أو ما يستعينون به على إقامة دينهم.

ثانيا: لاحرج فيمن يتمسك بالأصل السابق، فإنه لا يقدح أبدًا في عقيدة الولاء والبراء ما دام يلتزم بحقوق البراء السالفة البيان، وبشرط أن لا يتعمد ترك الشراء من المسلم مطلقًا بإيثار الكافر عليه من غير تبرير صادق.

ثالثا: ولا حرج- أيضا- فيمن سلك سبيل المقاطعة الفردية إن أراد سبيل إضعاف اقتصاد أهل الكفر، وإظهار براءته منهم، وعدم الرضا عنهم، لكن بشرط أن لا تصدر منه تصرفات الفساد والإفساد: إما بتضليل المخالف فيها، ورميه بموالاة أعداء الله، والتعاون معهم على باطلهم، وإتلاف الأموال، وإضاعة السلع والمنتجات بتحريقها وتكسيدها، فإنَّ ذلك ضرر بالمسلم وعدوان على ماله وعرضه: ?وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ? [البقرة: 205] ، قال صلى الله عليه وآله وسلم:"كُلُّ المُسْلِمِ عَلىَ المُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ" (7) وقال صلى الله عليه وآله وسلم:"إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيكْمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا" (8) ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:"لاَضَرَرَ وَلاَضِرَارٍ" (9) .

ومن جهة أخرى لا يجوز أذية الكافر في دمه وماله وعرضه إن لم يكن محاربًا لقوله صلى الله عليه وآله وسلم يقول الله تعالى:"يَاعِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلىَ نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلاَ تَظَالَمُواْ" (10) ، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:"أَلاَ مَنْ ظَلَمَ مُعَاهَدًا أَوْ انْتَقَصَهُ حَقَّهُ أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهُ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ. فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ" (11) فالواجب التعامل معهم بالعدل، وخطأ الواحد منهم لايلزم به الجميع لقوله تعالى: ?وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى? [الأنعام: 164] ، ولقوله تعالى:? وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى? [المائدة: 8] ، وإذا كان لهم مع أهل الإسلام عهود، أو كان لهم على المسلمين ديون، فلا يجوز لمن اتخذ من المقاطعة

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت