فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
-القيام المحظور: وهو ما يكون القيام له بالإكبار والتّعظيم كسابقه إلا أنّ المَقُومَ له يحبّ ذلك من القائمين له بحيث لا يجلسون حتى يجلس، ويسخط إذا لم يتمثّلوا له قيامًا ويعدُّها إهانةً، على وجه الكبرياء والتّجبّر، فهذا النّوع يحرم على المَقُومِ له ويُكْرَهُ للقائم، ويدلّ عليه حديثُ أبي مِجْلَزٍ -رحمه الله- قال: «دَخَلَ مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بَيْتًا فِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرٍ، فَقَامَ ابْنُ عَامِرٍ وَثَبَتَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَكَانَ أَرْزَنَهُمَا، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: «اجْلِسْ يَا ابْنَ عَامِرٍ! فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَمْثُلَ لَهُ النَاسُ قِيَامًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (9) .
وأنكر هذا القيامَ مالكٌ -رحمه الله- وطائفةٌ من أهل العلم (10) ، ونقل القرافيّ -رحمه الله- عن مالك -رحمه الله- أنّه قيل له: «فالمرأة تلقى زوجَها تبالِغُ في برّه وتنزع ثيابَه ونعلَيْه وتقف حتّى يجلسَ» ، قال: «ذلك حسنٌ غيرَ قيامِها حتّى يجلسَ، وهذا فِعْلُ الجبابرة، وربّما كان النّاس ينتظرونه فإذا طلع قاموا، ليس هذا مِنْ فِعْلِ الإسلام، وفُعِلَ هذا لعُمَرَ بنِ عبدِ العزيز أولَّ ما وَلِيَ حين خرج إلى الناس فأنكره وقال: «إِنْ تَقُومُوا نَقُمْ، وَإِنْ تَقْعُدُوا نَقْعُدْ، وَإِنَّمَا يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ» (11) .
قلت: والفرق بين القيام إلى الشّخص والقيام له ظاهرٌ، فإنّ الأوّل يدلّ على التّوجّه والقصد المنتهي إلى الشّروع في الأمر نحو قوله تعالى: ?إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ? [المائدة: 6] ، بينما «القيام له يدلّ على الاعتناء بشأنه ويَلْزَمُه التّجلّدُ والتّشمّرُ، فأطلق القيامَ على لازمه» (12) .
هذا، ومن قبيل القيام المحظور -شرعًا- الوقوفُ للجماداتِ من التّماثيل والأوثان (13) على مُختلَفِ أنواعها وشتّى أشكالها، فيدخل في النّهي منحوتةُ الصّورةِ من ذواتِ الأرواح كالأصنام، وغيرُ الصّورة الحيوانيّة من بقيّة الجماداتِ الأخرى كالقيام للصّليب أو للنّصب التّذكاريّة أو للنّار المشتعلة أو للعَلَم أو للمدفع أو للضّريح ونحو ذلك، سواء كان القيام مصحوبًا بالتّحيّة والإنشاد أو بقراءة القرآن ووَضْعِ الورود والأزهار، أو الْتزم الواقفون الصّمتَ لدقيقةٍ أو دقائقَ، فإنّ هذا القيامَ يُعَدُّ مظهرًا وثنيًّا منافِيًا لجناب التّوحيد، وحكمُه على التَّفصيل التّالي:
-1 - إن كان القيام لهذه الجمادات بِنيّة العبادة كالدّعاء والرّكوع والسّجود لها على وجه الخضوع والذّلّ والتّعظيم ونحوها من أعمال العبادة ممّا ينبغي أن تكونَ خالصةً لله تعالى؛ فإنّ هذا الفعل يناقض التّوحيد وينافيه مطلقًا، ويُخْرِجُ فاعلَه عن مسمّاه، لأنّ صرْفَ العبادة التي هي من خصائص الله تعالى إلى غيره سبحانه مع مطلق التّسوية بينهما شركٌ في الإلهيّة والعبادة، قال تعالى: ?وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ? [البقرة: 238] ، وقال تعالى: ?أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا? [الزمر: 9] ، وقال تعالى: ?قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لاَ شَرِيكَ لَهُ? [الأنعام: 162 - 163] .
-2 - وإن كان بِنيّة العبادة لله تعالى وقام عند هذه الجمادات لا لها، أو قبّلها كتقبيله للعَلَم أو المدفع أو التّراب الموجود في مكانِ المَقُومِ له؛ أو تَمَسَّحَ بها، أو رفعَ الأيدي بدعاء الله تعالى عند النّصب التّذكاريّة أو بقراءة فاتحة الكتاب عند موضع اشتعال النار على وجه التّبرّك عندها، فإنّ هذا الفعلَ يناقض كمال التّوحيد ولا ينافيه مطلقًا ولا يُخْرِج فاعله عن مسمّى التّوحيد، وإنّما يُنْقصه بحيث لا يستحقّ المتّصفُ به مسمّى التّوحيد الكامل؛ لأنّه لم يقصدْ أن يعبدَ تلك الجماداتِ أو أن يطلبَ منها ما يطلبه القبوريّون من أهل القبور، غيرَ أنه بمنزلة طلبِ آلهةٍ غيرِ الله تعالى (14) ، قال ابن تيميّة -رحمه الله-: «فمَنْ قَصَدَ بقعةً يرجو الخيرَ بقصدها ولم تستحبَّ الشريعةُ ذلك فهو من المنكراتِ، وبعضُه أشدّ من بعض، سواء كانت البقعةُ شجرةً أو عينَ ماء أو قناةً جاريةً أو جبلًا أو مغارةً،
(يُتْبَعُ)