فهرس الكتاب

الصفحة 17780 من 20085

هذه القاعدة ترجع إلى ما ذكره الشاطبي في الاعتصام (1/ 363) :"السكوت عن حكم الفعل أو الترك هنا إذا وجد المعنى المقتضى له، إجماع من كل ساكت على أن لا زائد على ما كان إذ لو كان ذلك لائقا شرعا أو سائغا لفعلوه فهم كانوا أحق بإدراكه والسبق إلى العمل به".

قلت: وهذا ضابط دقيق في المسكوت عنه وحقيقة مخالفته استدراك على الشرع.

شرطها:

اشترط أهل العلم شرطين للعمل بها:

الأول: قيام المقتضي للفعل أو المظنة:

والمقصود وجود الداعي أو السبب المحوج للفعل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مثل قيام رمضان، فقد كان المقتضى للخروج إلى الناس قائما، لكنه لم يفعل خوف الافتراض.

أما بعده صلى الله عليه وسلم فلا يعتبر قيام المقتضي بسبب التفريط الذي يقع من الناس مثل تقديم الخطبة على الصلاة في العيدين.

ودون هذا الأمر يعتبر ما قيل في ترك النبي صلى الله عليه وسلم.

قال الشاطبي في الاعتصام (1/ 363) :"وقد ظهر من العادات الجارية فيما نحن فيه أن ترك الأولين لأمر ما من غير أن يعينوا فيه وجها مع احتماله في الأدلة الجملية ووجود المظنة دليل على أن ذلك الأمر لا يعمل به وأنه إجماع منهم على تركه".

وقال ابن رشد الجد في البيان والتحصيل:"واستدلاله على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك ولا المسلمون بعده بأن ذلك لو كان لنقل صحيح إذ يصح أن تتوفر الدواعي على ترك نقل شريعة من شرائع الدين وقد أمر بالتبليغ".

الثاني: انتفاء المانع:

والمقصود ما يمنع من الفعل مع وجود سبب الفعل في زمانه أو زمن الصحابة مثل قيام رمضان، فالمانع الخشية من أن يفرض، وقد زالت بموته صلى الله عليه وسلم، فجمع عمر رضي الله عنه الناس على مقتضى سنته.

ففعل الصحابة رضوان الله عليهم بعد الوفاة دليل على وجود المانع في زمنه صلى الله عليه وسلم.

وهنا مبحث يذكره أهل العلم ليس هذا محلا للنظر فيه وهو: هل يستوي علمنا أو جهلنا بفعل النبي صلى الله عليه وسلم في اعتبار فعل الصحابة؟ الصحيح اعتباره على تفصيل.

إذا علم هذا فالقاعدة لا تجرى إلا بالشرطين، وتكون حينئذ حجة معتبرة، لكن لابد أن نعلم أن مناط القاعدة قيام الشرطين، فغالب خلاف أهل العلم فيهما، فإنهم يختلفون في وجود السبب أو عدمه وفي انتفاء المانع، بل إن ذلك مطية أهل البدع، وما دخلوا إلا منهما.

هذا لنعلم خطورة وجلل الكلام في هذه القاعدة تأصيلا وتفريعا، وأن الأمر ليس مبذولا لجميع الناس بل لأهل العلم خاصة، فالواجب:

أولا: فهم القاعدة فهما سليما

ثانيا: تصور المسألة تصورا معتبرا

ثالثا: نفي أو إثبات الفعل وفق القاعدة.

على ماذا تحمل القاعدة؟

هذه القاعدة شأن نظيراتها من قواعد الترك تحمل على العبادات لأن الإحداث المذموم شرعا لا يكون إلا فيها، فلا يجوز حملها على العادات لتعلقها بمصالح الدنيا، واختلافها وتغيرها زمانا ومكانا.

قال الشاطبي في الاعتصام (1/ 343) :"إن عدوا كل محدث العادات بدعة فليعدوا جميع ما لم يكن فيهم من المآكل والمشارب والملابس والكلام والمسائل النازلة التي لا عهد بها في الزمان الأول بدعا وهذا شنيع فإن من العوائد ما تختلف بحسب الأزمان والأمكنة والاسم فيكون كل من خالف العرب الذين أدركوا الصحابة واعتادوا مثل عوائدهم غير متبعين لهم هذا من المستنكر جدا".اهـ

ووجه ذلك أن:"الأصل في العبادات أن لا يشرع منها إلا ما شرعه الله والأصل في العادات أن لا يحظر منها إلا ما حظره الله".

قلت: فهي على أصلها في الإباحة، فإن أريد بها طاعة الله تعالى صارت عبادة وقربة.

قال الشاطبي في الاعتصام (1/ 262) :"فإن الأصل الشرعي أن كل مطلوب هو من جملة ما يتعبد به إلى الله تعالى ويتقرب به إليه، فالعبادات المحضة ظاهر فيها ذلك والعادات كلها إذا قصدت بها امتثال أمر الله عبادات إلا أنه إذا لم يقصد بها ذلك القصد ويجيء بها نحو الحظ مجردا فإذا ذاك لا تقع متعبدا بها ولا مثابا عليها وإن صح وقوعها شرعا".اهـ

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت