فهرس الكتاب

الصفحة 18098 من 20085

-أن يكونَ اللّباسُ كثيفًا غيرَ شفَّافٍ لئلاَّ يصِفَ لونَ بَشَرةِ المرأةِ، فقَدْ ورد النّهيُ عنه في حديثِ أبي هريرةَ رضي الله عنه مرفوعًا: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ البَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلاَتٌ مَائِلاَتٌ رُؤُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لاَ يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلاَ يَجِدْنَ رِيحَهَا» (6) .

ففي الحديثِ دلالةٌ ظاهرةٌ على تحريمِ لُبْسِ الثّوبِ الرّقيقِ الذي يَشِفُّ ويَصِفُ لونَ بدنِ المرأةِ، قال ابنُ عبدِ البرِّ -رحمه الله-: «أراد (النّساءَ) اللّواتي يَلْبَسْنَ مِنَ الثّيابِ الشّيءَ الخفيفَ الذي يصِفُ ولا يستر، فهنَّ كاسياتٌ بالاسمِ عارياتٌ في الحقيقةِ» (7) . وقال ابنُ تيميّةَ -رحمه الله-: «وقد فُسِّرَ قوله: «كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ» بأنْ تكتسِيَ ما لا يسترها، فهي كاسيةٌ وهي في الحقيقةِ عاريةٌ، مثلَ مَنْ تكتسي الثّوبَ الرّقيقَ الذي يصِفُ بَشَرَتَها، أو الثّوبَ الضّيِّقَ الذي يُبْدي تقاطيعَ خَلْقِها مثلَ عَجِيزَتِها وساعدِها ونحوِ ذلك، وإنّما كسوةُ المرأةِ ما يسترها فلا يُبْدي جسمَها ولا حجمَ أعضائِها لكونِه كثيفًا واسعًا» (8) .

-وأن لا يكونَ لباسُ المرأةِ لباسَ شهرةٍ سواء بالنّفيسِ أو الخسيسِ لقولِه صلّى الله عليه وآله وسلّم: «مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ أَلْبَسَهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثَوْبًا مِثْلَهُ، ثُمَّ تُلْهَبُ فِيهِ النَّارُ» (9) . قال ابن تيميّةَ -رحمه الله-: «وتُكْرَهُ الشُّهرةُ من الثّيابِ، وهو المترفِّعُ الخارجُ عن العادةِ والمنخفِضُ الخارجُ عن العادةِ، فإنَّ السّلفَ كانوا يكرهون الشّهرتين: المترفِّعَ والمنخفِضَ، وفي الحديث: «مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ أَلْبَسَهُ اللهُ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ» (10) ، وخيارُ الأمورِ أوساطُها» (11) .

-ومن هذا القبيلِ -أيضًا- ألاَّ يكونَ لباسُ المرأةِ زينةً تَلْفِتُ الأنظارَ وتَجْلِبُ الانتباهَ سواء في هيئةِ لباسِها أوِ الألوانِ الفاتحةِ أو البرَّاقةِ اللاّمعةِ، أو المادّةِ المصنوعِ منها، أو النّقوشِ والوشيِ التي عليه، تفاديًا أن تكونَ من المتبرِّجاتِ بزينةٍ. قال الألوسيُّ -رحمه الله-: «ثمَّ اعلمْ أنَّ عندي ممَّا يُلْحَقُ بالزّينةِ المنهيِّ عن إبدائِها ما يلبَسه أكثرُ مُتْرَفَاتِ النّساءِ في زمانِنا فوق ثيابِهنَّ ويتستَّرْنَ به إذا خرجْنَ من بيوتِهنَّ، وهو غطاءٌ منسوجٌ من حريرٍ ذي عدّةِ ألوانٍ، وفيه من النّقوشِ الذّهبيّةِ أو الفضيّةِ ما يَبْهَرُ العيونَ، وأرى أنّ تمكينَ أزواجِهنَّ ونحوِهم لهنَّ من الخروجِ بذلك ومَشْيِهنّ به بين الأجانبِ من قِلَّةِ الغَيْرَةِ، وقد عمَّتْ البلوى بذلك» (12) .

-أن لا يكونَ اللّباسُ شبيهًا بلباسِ الرّجلِ فقَدْ: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ» (13) ، كما «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ الرَّجُلَ يَلْبَسُ لِبْسَةَ المَرْأَةِ وَالمَرْأَةَ تَلْبَسَ لِبْسَةَ الرَّجُلِ» (14) ، و «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ الرَّجُلَةَ مِنَ النِّسَاءِ» (15) . والمقصودُ بالتّشبُّهِ المنهيِّ عنه بين الرّجالِ والنّساءِ التّشبُّهُ في اللّباسِ والزّينةِ والكلامِ والمشيِ، وهو حرامٌ للقاصدِ المختارِ قولًا واحدًا. قال ابنُ حجرٍ -رحمه الله-: «وتَشَبُّهُ النّساءِ بالرّجالِ والرّجالِ بالنّساءِ مِنْ قاصدٍ مختارٍ حرامٌ اتّفاقًا» (16) .

-أن لا يكونَ اللّباسُ شبيهًا بلباسِ أهلِ الكفرِ وأزيائِهم وعاداتِهم لقولِه صلّى الله عليه وآله وسلّم: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (17) .

ولا يخفى أنَّ جملةَ شروطِ لباسِ المرأةِ وضوابطِه أُخِذَ من نصوصٍ شرعيّةٍ صحيحةٍ تُفْصِحُ عن حقيقةِ السّترِ المطلوبِ شرعًا، وإطلاقُ مفهومِ السّترِ من غيرِ ملاحظةٍ لهذه الشّروطِ خطأٌ بَيِّنٌ ظاهرُ الفسادِ.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت