فهرس الكتاب

الصفحة 18359 من 20085

وحديث ابن عباس أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت، قال:"جعلت لله ندًا، ما شاء الله وحده" (حاشية رواه البخاري في الأدب المفرد ص253 ح:783، وأحمد في المسند ج1 ص283، 214 وقد حسن الألباني إسناده في سلسلة الأحاديث الصحيحة ج1/ 2 ص56 ح:139) .

فدلت هذه الآيات والأحاديث على أن الله لا يكلف العبد ما لا يطيق وأنه لا يؤاخذه بالجهل والخطأ، إذا قصد الخير واتقى الله مهما كان الخطأ كبيرًا ويتعلق بمسائل التوحيد والعقيدة، ومن باب أولى العذر بالخطأ في مسائل الحلال والحرام، فقد عذر الله تعالى من جهل عظيم قدرة الله تعالى على البعث وغفر له، وعذر النبي صلى الله عليه وسلم الجارية التي نسبت له علم الغيب، وعذر من ساوى بينه وبين الله في المشيئة واكتفى بنهيهما عن ذلك.

فإذا عذر الله ورسوله هؤلاء بخطئهم في هذه المسائل الكبيرة فعلماء المسلمين أولى بالعذر منهم، إذا أخطأوا في الاجتهاد، إذ الباعث لهم على ذلك معرفة الحكم الشرعي وقد استفرغوا جهدهم ووسعهم في طلبه، فهم معذورون في كل ذلك، ولا يلحقهم فيه أي إثم بل لهم أجر اجتهادهم في حالة خطئهم، وخطؤهم مغفور إن شاء الله، وللمصيب منهم أجران، أجر اجتهاده، وأجر إصابته.

فحكمهم دائر بين الأجر والأجرين، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" (حاشية رواه البخاري في كتاب الاعتصام - فتح الباري [13/ 318] ح:7352، ورواه مسلم في كتاب الأقضية [3/ 1342] ح:1716) .

وكذلك أقوال السلف وأفعالهم: دلت على عذر بعضهم بعضًا في اجتهاداتهم، ولم يبدع أو يفسق بعضهم بعضًا مع اختلافهم في مسائل عظيمة فكانوا لا يذكرون بعضهم إلا بخير مع استغفار كل واحد منهم لأخيه، وهذا من عظيم فقههم رضوان الله عليهم أجمعين.

روى الخلال: عن سعيد بن مسيب قال:"شهدت عليًا وعثمان وكان بينهما نزغ من الشيطان، فما ترك واحد منهما لصاحبه شيئًا إلا قاله، فلو شئت أن أقص عليكم ما قالا لفعلت، ثم لم يبرحا حتى اصطلحا واستغفر كل واحد منهما لصاحبه" (حاشية السنة لأبي بكر الخلل ص461 رقم 715) .

وروي أن الإمام أحمد سئل:"ما تقول فيما كان من علي ومعاوية رحمهما الله؟ فقال: ما أقول فيهما إلا الحسنى رحمهم الله أجمعين" (حاشية نفس المصدر ص 460 رقم 713) .

ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بحوث حافلة في تقرير هذه المسألة ومن أهم بحوثه فيها: رسالته العظيمة (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) قال في مطلعها:

"وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة - المقبولين عند الأمة قبولًا عامًا - يعتمد مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من سنته دقيق ولا جليل، فإنهم متفقون اتفاقًا يقينيًا على وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن إذا وجد لواحد منهم قول، قد جاء حديث صحيح بخلافه فلا بد له من عذر في تركه."

وجميع الأعذار ثلاثة أصناف: أحدها: عدم اعتقاد أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله.

والثاني: عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول.

والثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ، وهذه الأصناف الثلاثة تتفرع إلى أسباب متعددة" (حاشية رفع الملام عن الأئمة الأعلام ص4 - 5) ."

ثم شرع رحمه الله في ذكر الأسباب المتفرعة عن هذه الأصناف من الأعذار - وهي عشرة أسباب - مع التمثيل لكل سبب بعدة أمثلة من واقع اجتهادات العلماء وأقوالهم (حاشية نفس المصدر ص5 - 46) .

وفي ذلك توجيه حسن لكثير مما يقع فيه العلماء من أخطاء في اجتهاداتهم والتماس الأعذار لهم بما نرجو الله أن يثيب شيخ الإسلام عليه أعظم مثوبة.

وليت كل من وجد قولًا لأحد العلماء يخالف فيه النصوص عرضه على تلك الأسباب العشرة التي ذكرها شيخ الإسلام فإنه لا يعدم أن يجد لمخالفته سببًا من تلك الأسباب، وبهذا نسلم من كثير مما يقع فيه الناس اليوم من الطعن في العلماء وسوء الظن بهم.

يقول شيخ الإسلام أيضًا في موضع آخر من كتبه بصدد هذا الموضوع:

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت