فهرس الكتاب

الصفحة 18360 من 20085

"ولا يرب أن الخطأ في دقيق العلم مغفور للأمة وإن كان ذلك في المسائل العلمية، ولولا ذلك لهلك أكثر فضلاء الأمة، وإذا كان الله يغفر لمن يجهل تحريم الخمر لكونه نشأ بأرض جهل، مع كونه لم يطلب العلم، فالفاضل المجتهد في طلب العلم بحسب ما أدركه في زمانه ومكانه إذا كان مقصوده متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم بحسب إمكانه هو أحق بأن يتقبل الله حسناته ويثيبه على اجتهاداته، ولا يؤاخذ بما أخطأ تحقيقًا لقوله: (( رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ) ) [البقرة:286] " (حاشية مجموع الفتاوى [20/ 165] ) .

ويقول أيضًا داحضاَ لشبهة التفريق في الاجتهاد بين مسائل الأصول ومسائل الفروع وأن المخطئ في مسائل الفروع معذور بخلاف المخطئ في مسائل الأصول فإنه لا يعذر:"هذا قول السلف وأئمة الفتوى كأبي حنيفة والشافعي والثوري وداود بن علي وغيرهم، لا يؤثمون مجتهدًا مخطئًا في المسائل الأصولية ولا في الفروعية، كما ذكر ذلك عنهم ابن حزم وغيره، وقالوا هذا هو القول المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الدين أنهم لا يكفرون ولا يفسقون ولا يؤثمون أحدًا من المجتهدين المخطئين، لا في مسألة عملية ولا علمية، قالوا والفرق بين مسائل الفروع والأصول إنما هو من أقوال أهل البدع من أهل الكلام والمعتزلة والجهمية ومن سلك سبيلهم" (حاشية مجموع الفتاوى [19/ 207] ) .

ويقول في هذا المعنى في موضع آخر:"وإذا ثبت بالكتاب المفسر أن الله قد غفر لهذه الأمة الخطأ والنسيان فهذا عام عمومًا محفوظًا وليس في الأدلة الشرعية ما يوجب أن الله يعذب من هذه الأمة مخطئًا على خطئه ... وأيضًا فإن السلف أخطأ كثير منهم في كثير من هذه المسائل واتفقوا على عدم التكفير بذلك، مثل ما أنكر بعض الصحابة أن يكون الميت يسمع نداء الحي، وأنكر بعضهم أن يكون المعراج يقظة" (حاشية مجموع الفتاوى [12/ 490 - 492] ) .

فإذا تقرر هذا الأصل العظيم بما تقدم ذكره من الأدلة، وأقوال سلف الأمة: وهو أن العالم إذا اجتهد فأخطأ أنه معذور في خطئه مأجور على اجتهاده، سواء كان ذلك الاجتهاد في مسألة علمية كمسائل التوحيد والاعتقاد أو مسألة عملية كمسائل الحلال والحرام وجب الوقوف عنده والالتزام به وتطبيقه في حياتنا اليوم وعدم التعرض لأحد من العلماء أو طلاب العلم المعروفين بسلامة العقيدة والمتابعة لهدى سلف الأمة الصالح بشيء من التأثيم أو التفسيق أو التبديع بمجرد قول أداهم إليه اجتهادهم في مسألة شرعية ما دام أن الخلاف في تلك المسألة سائغ والاجتهاد فيها مقبول.

فمن خالف هذا المنهج بتأثيم أحد من العلماء بسبب خطئهم في مثل هذه المسائل فقد خرج عن منهج أهل السنة في هذا الباب، ووافق أهل البدع - من حيث يدري أو لا يدري - فإن أهل البدع هم الذين يؤثمون المخالف لهم بل قد يكفرونه بمجرد المخالفة.

وهذا لا يعني عدم التنبية على أخطاء العلماء ومناصحتهم في ذلك وبيان الحق للناس فإن هذا من أعظم واجبات أهل العلم الذين استحفظهم الله عليه كما قال تعالى: (( وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ ) ) [آل عمران:187] .

لكن هذا مقيد أيضا بقيود بأن يكون التنبيه والتوضيح من عالم متمكن في العلم وأن يقصد بذلك وجه الله وبيان الحق مع احترام المخالف وعدم انتقاصه أو غمزه بجهل أو هوى بل يكون الكلام منصبًا على القول دون القائل فإنه لا يتعرض له بشيء إلا إذا دعت الحاجة لذلك.

وعمومًا فينبغي التفريق بين هذا الأمر الذي هو ميثاق الله على أهل العلم، وبين انتقاص العلماء وتأثيمهم في المسائل الاجتهادية، فالبون بين الأمرين شاسع والفرق بينهما واضح بحيث لا يخفى على طالب علم وإنما الأمر في التسليم والانقياد لشرع الله في ذلك.

فإن المتابعة في هذا الباب وتوظيفه على ما أراد الله ورسوله عزيزة. ولذلك لكثرة الصوارف النفسية المصاحبة لتحقيقه وعظم تلبس الشيطان على كثير من أهل العلم فيه والمعصوم في ذلك من عصمه الله ووقاه شر نفسه وشر الشيطان وشركه. ووفقه للإخلاص وحسن المتابعة في كل ما يأتي ويذر.

والله أعلم وصلى الله وبارك على نبينا محمد وسلم تسليمًا كثيرًا.

نقلًا من كتاب موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع للشيخ إبراهيم الرحيلي حفظه الله [1/ 64 - 72] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت