فهرس الكتاب

الصفحة 18668 من 20085

5 -وقال الشيخ: (( وَلَوْ كَانَ الْمُجِيبُ مُخْطِئًا لَمَا جَازَ ذَلِكَ(أي الكذب والافتراء عليه) ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ وَالِافْتِرَاءَ حَرَامٌ مُطْلَقًا. وَاَللَّهُ أَوْجَبَ الصِّدْقَ وَالْعَدْلَ لِكُلِّ أَحَدٍ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي كُلِّ حَالٍ )).

6 -قال الشيخ: (( لَا أُحِبُّ أَنْ يُنْتَصَرَ مِنْ أَحَدٍ بِسَبَبِ كَذِبِهِ عَلَيَّ أَوْ ظُلْمِهِ وَعُدْوَانِهِ فَإِنِّي قَدْ أَحْلَلْت كُلَّ مُسْلِمٍ. وَأَنَا أُحِبُّ الْخَيْرَ لِكُلِّ الْمُسْلِمِينَ وَأُرِيدُ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ الْخَيْرِ مَا أُحِبُّهُ لِنَفْسِي. وَاَلَّذِينَ كَذَبُوا وَظَلَمُوا فَهُمْ فِي حِلٍّ مِنْ جِهَتِي .. هَذَا وَأَنَا فِي سِعَةِ صَدْرٍ لِمَنْ يُخَالِفُنِي فَإِنَّهُ وَإِنْ تَعَدَّى حُدُودَ اللَّهِ فِيَّ بِتَكْفِيرِ أَوْ تَفْسِيقٍ أَوْ افْتِرَاءٍ أَوْ عَصَبِيَّةٍ جَاهِلِيَّةٍ. فَأَنَا لَا أَتَعَدَّى حُدُودَ اللَّهِ فِيهِ. بَلْ أَضْبُطُ مَا أَقُولُهُ وَأَفْعَلُهُ وَأَزِنُهُ بِمِيزَانِ الْعَدْلِ وَأَجْعَلُهُ مُؤْتَمًّا بِالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ وَجَعَلَهُ هُدًى لِلنَّاسِ حَاكِمًا فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ) ).

أكتفي بهذا القدر ولولا ضيق المقام لنقلتُ أضعاف هذا من كلام الشيخ، ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق.

وإذن:

فليس من نفى الكفر عن من لم يترجح لديه بالأدلة والحجج كفرُه بمدافع عن الذين كفروا، وليس من رفض أن يُزاد في ضلالة رجل عن الواقع بمجادل عن الذين ظلموا، ولكن يفعل الرجل ذلك ويكون ذلك منه عدلًا وإنصافًا يطلبه ويكون ضده بغيًا يتباعد المنصف منه ويتنزه هو عنه.

الآن

آتي لموضع العظمة حقًا في شخصية هذا الرجل الفذ؛ذلك أن ما تقدم من الكلام عظيم ولا شك،ولكن تطبيقه والعمل به هو موضع المحنة ومحل الفتنة؛ ذلك أن حمل النفس على العدل مع خصومها،والصبر على أذى من يؤذيه هو مقام جليل،فإذا كان المُؤذى ناطقًا بكلمة الله قائمًا بحجة الحق= كان صبرُه على الأذى وعدلُه مع مخالفه وإنصافُه له حينها من مقامات الأنبياء،و لا يلحق بشعبة منه إلا الكملة من ورثتهم وكذلك كان الشيخ، والآن أترككم مع هذا الموقف الدال على ذلك و الذي يأبى جلاله أن أعود عليه بتعليق فأختم به إن شاء الله.

قال ابن عبد الهادي: (( فلما كان في رابع شهر رجب من سنة إحدى عشرة وسبعمائة جاء رجل فيما بلغني إلى أخيه الشيخ شرف الدين وهو في مسكنه بالقاهرة فقال له إن جماعة بجامع مصر قد تعصبوا على الشيخ وتفردوا به وضربوه

فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل!

وكان بعض أصحاب الشيخ جالسا عند شرف الدين قال: فقمت من عنده وجئت إلى مصر فوجدت خلقا كثيرا من الحسينية وغيرها رجالا وفرسانا يسألون عن الشيخ، فجئت فوجدته بمسجد الفخر كاتب المماليك على البحر واجتمع عنده جماعة وتتابع الناس وقال له بعضهم يا سيدي قد جاء خلق من الحسينية ولو أمرتهم أن يهدموا مصر كلها لفعلوا

فقال لهم الشيخ: لأي شيء (؟)

قالوا: لأجلك

فقال لهم: هذا ما يحق

فقالوا: نحن نذهب إلى بيوت هؤلاء الذين آذوك، فنقتلهم ونخرب دورهم؛ فإنهم شوشوا على الخلق وأثاروا هذه الفتنة على الناس.

فقال لهم: هذا ما يحل.

قالوا: فهذا الذي قد فعلوه معك يحل هذا شيء لا نصبر عليه ولا بد أن نروح إليهم ونقاتلهم على ما فعلوا

والشيخ ينهاهم ويزجرهم.

فلما أكثروا في القول قال لهم: إما أن يكون الحق لي أو لكم أو لله فإن كان الحق لي فهم في حل منه،وإن كان لكم فإن لم تسمعوا مني ولا تستفتوني= فافعلوا ما شئتم، وإن كان الحق لله فالله يأخذ حقه إن شاء كما يشاء.

قالوا: فهذا الذي فعلوه معك هو حلال لهم؟

قال: هذا الذي فعلوه قد يكونون مثابين عليه مأجورين فيه

قالوا: فتكون أنت على الباطل وهم على الحق فإذا كنت تقول إنهم مأجورين فاسمع منهم ووافقهم على قولهم.

فقال لهم: ما الأمر كما تزعمون فإنهم قد يكونون مجتهدين مخطئين ففعلوا ذلك باجتهادهم والمجتهد المخطىء له أجر )) .

رحم الله الشيخ ما كان أحسن عدله وأروع إنصافه، وإنا لندعوا الناس للعدل والإنصاف مع جميع أجناس المخالفين ولا يصدهم عنه أن سماه قليل الفقه دفاعًا عن الباطل وجدالًا عن الظالمين،فإن إنصاف المخالفين والعدل معهم شعبة إيمانية ثقيلة ليس يدركها إلا من عظم فقهه ووفق إلى العمل بعلمه ..

ـ [العطاب الحميري] ــــــــ [16 - Aug-2010, مساء 04:50] ـ

ما شاء الله لا قوة إلا بالله ...

حياك الله أخي أبا فهر ..

ونفع الله بك ...

ما زلت في تألقك ... على العهد ... وفقك الله

ـ [السليماني] ــــــــ [16 - Aug-2010, مساء 05:05] ـ

جزاك الله خيرًا

ـ [وادي الذكريات] ــــــــ [16 - Aug-2010, مساء 08:02] ـ

ما أحسن العنوان، وأحسن المقال وأحسن الفائدة التي هي: الصدق والإنصاف مع المخالف ..

اقتباسات موفقة، وتحليل قيم، رحم الله تعالى الشيخ ابن تيمية

وجزاك الله كل خير، وبارك فيك.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت