فهرس الكتاب

الصفحة 18773 من 20085

أولًا: لنا أن نتساءل: لماذا كل هذا الحقد على الإمام البخارى؟ ولماذا الحمل على البخارى - رحمه الله - في هذه الرواية، والتشنيع عليه، مع أن غيره من علماء الحديث شاركه في رواية هذا الحديث؟ إنه لم يخترع، ولم يؤلف، ولم يشطح به الخيال!

لقد نقل ما سمعه من شيوخه الثقات، مما سمعوه من شيوخهم، إلى أن وصل النقل إلى الرسول، أو إلى الصحابى الذى روى عن الرسول

والناقل لا يطلب منه إلا التأكد من صحة ما نقل، واستيفاء شروط النقل ولا يكون مسئولًا عن ذات الشئ المنقول، لأن ناقل الكفر ليس بكافر بمجرد نقله لذلك

لقد أعماهم الحقد على كل ما يتصل بالسنة، ورواتها، فصبوه صبًا عليهم، واختص البخارى بأشد أنواع الحقد؛ لأنه جمع أصح الروايات، وبذل أقصى الجهود

وذنب البخارى عندهم، أنه أخلص. وبذل حياته وماله في جمع السنة، ونقد الحديث، واستخلص صحيحه من صفوة الصفوة من الحديث، ورسم المناهج، وقعد القواعد، وأصل الأصول

من أجل ذلك عابوه وشتموه، وحاولوا تشويه صورته، ونطحوه بقرون حقدهم، يريدون القضاء على جهوده، وإبادة عمله، ولو استطاعوا لأخرجوا رفاته، فصبوا عليه ويلاتهم. ولكن هيهات فهم كما قال القائل:

كناطح صخرة يومًا ليوهنها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل

ثانيًا: وماذا في قصة أم حرام:

إن البخارى - رحمه الله - ذكرها في صحيحه في كتاب الاستئذان، باب"من زار قومًا فقال عندهم"

والقوم يطلق في الغالب على الجماعة، وكأن البخارى يرى أن ما يرويه من الحديث، في زيارة واحد وهو الرسول، لجماعة وهم أهل البيت الذى فيه أم حرام

وهذا من فقهه في تراجمه الذى رفع مكانته بين العلماء، وأثار إعجاب كل متابع له في فهم معانى الحديث

ثم روى البخارى الحديث عن أنس بن مالك، وأم سليم هى أم أنس، وأم حرام هى أخت أم سليم، وهنا يظهر جليًا أن البيت الذى كان يقيل فيه رسول الله، هو بيت فيه أم سليم، وأختها أم حرام، وأنس بن أم سليم

وقد ورد في المسند عن أنس"أن رسول الله صلى في بيت أم سليم، وأم سليم، وأم حرام خلفنا، ولا أعلمه إلا قال: أقامنى عن يمينه"فأى ضير في أن يكرم الرسول، أنسًا خادمه، فيدخل بيته يقيل فيه، ويأكل، وفى هذا البيت أمه، وخالته، وقد يكون فيه غيرهما زوج أم سليم، أو زوج أم حرام، أو زوجهم

وسبب آخر لإكرام الرسول، أهل هذا البيت بالزيارة، مع أن غيرهم كثير ممن يود أن يتشرف بالرسول في مثل هذه الزيارة. لقد استشهد أخوهما في سبيل الله، فكان رسول الله يواسيهما معًا بهذه الزيارة، حيث أنهما كانتا في دار واحدة، كل واحدة منهما في غرفة من تلك الدار

فعن أنس بن مالك رضى الله عنه"أن النبى، لم يكن يدخل بيتًا بالمدينة، غير بيت أم سليم، إلا على أزواجه، فقيل له، فقال: إنى أرحمها؛ قتل أخوها معى"يعنى حرام بن ملحان وكان قد قتل يوم بئر معونة

وفى تعليله"إنى أرحمهما"فيه أنه خلف حرام بن ملحان في أهله بخير بعد وفاته، ولذا ذكر البخارى الحديث السابق في كتاب الجهاد، باب فضل من جهز غازيًا أو خلفه بخير، وهذا من فقهه ودقته - رحمه الله

فكانت زيارته لأم سليم وأختها أم حرام، عملًا بما قاله:"من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيًا في سبيل الله بخير فقد غزا"

وفضلًا عن ما سبق، فقد غنم المسلمون من هذه الزيارة علمًا من أعلام النبوة، في أخبار الرسول، عما سيكون قبل وقوعه، حيث أراه الله له، وإخباره أم حرام بأنها من الأولين ركاب السفن الغازية. وتحقق ما أخبر به من ركوبها وغزوها ثم استشهادها الذى حال بينها وبين أن تكون من أهل السنن الغازية التى تلت ذلك، ورآها الرسول

ثالثًا: من أين جزم أحمد صبحى، ومن قال بقوله؛ بانفراد رسول الله مع أم حرام أو أم سليم؟ وكيف قطع بأن أحدًا لم يكن معهما؟، وما الذى يمنع أنسًا وهو خادمه من الدخول إلى بيت أمه، وهو نفسه بيت خالته؟ وأين أخوه اليتيم، ومن كان من الأزواج حاضرًا؟ بل وأين من كان من الأقارب، وكل من حول قباء من الأنصار الذين لا يتركون الرسول، وهو يزور قباء، وهم من أخواله الذين نزل بينهم أول قدومه المدينة؟!

لقد كان الصحابة يحرصون على مرافقة الرسول، وكانوا يسعدون بصحبته كلما خرج من بيته، وكانوا يلتمسون رؤيته وسماعه، ورؤية ما يصدر منه

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت