وأعيد وأكرِّر: لا يعني هذا انعدام وجود الدعاة، بل القصد قلَّة الداعين إلى الله في زمننا هذا، والذي يحتاج إلى عملية نفير دعوي جماعي: وقال -سبحانه وتعالى-: (فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) التوبة (122) .
* وهل الدعوة بحاجة إلى جهاد؟
جاء في تقرير إحصائي قدَّمته الأمم المتحدة قبل مدة قصيرة عن الديانات في العالم:"إنَّ الإسلام أكثر الأديان انتشارًا على وجه الأرض، وأنه في سرعة انتشاره يزيد بسته أضعاف على الديانة الثانية بعده"، وما دمنا نلحظ ونشاهد أنَّ دين الإسلام ينتشر مع ضعف الإمكانات وقلَّة الدعاة ومحاربة الكفار للمسلمين الهداة، فهذا كذلك يحتِّم علينا القيام بأمر الدعوة إلى الله.
والمسلم في هذا الوجود الذي خلقه الرب المعبود جلَّ وتعالى، بحاجة إلى بذل الجهد في أي شيء كان، سواء في الدراسة فهو بحاجة لأن يبذل جهدًا ووقتًا في سبيل النجاح، وكذلك وقت الطلب للمعيشة أو الوظيفة بحاجة للجهد، وكذلك وقت البحث عن زوجة فسيبذل الجهد والغاية في اختيار المرأة المناسبة، وهكذا ...
والدعوة إلى الله تعالى كذلك، لن يقوم قائمها ولن يعلو أفقها، ولن تسمو حركتها إلاَّ ببذل الجهد والغاية في نشرها بين الخافقين، والاهتمام بأمرها، فهي تجارة ربَّانية ناجحة لن تبور والربح فيها مؤكَّد، فكما يقوم التاجر ببذل جهده وغايته في بيع السلعة وتسويق البضاعة والنجاح في الصفقة التجاريًّة، ولربما يسأل الله تعالى نجاحه في ذلك، فهكذا التاجر الرباني والداعية الإيماني سيبذل جهده وغايته لتوصيل الحق إلى الخلق لإيصالهم بالرب الحق تبارك وتعالى.
ذكر ابن كثير أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما (قدم مكة وقومه أشد ما كانوا عليه من خلافه وفراق دينه، إلا قليلًا مستضعفين ممن آمن به، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه في المواسم - إذا كانت - على قبائل العرب، يدعوهم إلى الله عز وجل ويخبرهم أنه نبي مرسل، ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه حتى يبين عن الله ما بعثه به) [2] .
ولم يتلكأ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم في دعوته أو يتراجع أو يحجم، رغم ما لقيه من عذابات وآلام وأشواك على طريق الدعوة، ومع أنَّه لقي ربَّه عزَّ وجل وكان بإمكانه أن يسأله تعالى المقام عند، لكنَّه أدرك أنَّ أهل الأرض بحاجة لدعوة رب السماء، لعلَّهم يعودوا إلى جنان الخلد، وفي هذا الصدد يتحدث المفكر المسلم محمد إقبال: (إن النبي الكريم عندما صعد إلى السموات العلى، وكان ذلك الصعود ألذ رياضة روحية، لم يبق هناك؛ وإنما عاد إلى الأرض"ليشق طريقه في موكب الزمان؛ ابتغاء التحكم في ضبط قوى التاريخ، وتوجيهها على نحو ينشئ به عالمًا من المثل العليا جديدًا) [3] ."
* مفهوم الجهاد الدعوي:
وطوبى لعبد دعا للرشاد .. منادٍ إلى الخير في كل واد
حثيثِ الخطا في سبيلِ الهدى .. وبالعزم يرقى عسير النِّجاد
قد يفهم بعض الناس أنَّ الجهاد في سبيل الله هو فحسب القتال والمعاركة لأعداء الدين، وهذا حق لا ريب فيه، ولكنَّه نوع من أنواع الجهاد في سبيل الله، فالجهاد في سبيل الله في القرآن والسنَّة عام فيدخل فيه جهاد الحجَّة والبيان وجهاد السيف والسنان، والجهاد بحاجة لمشقة وبذل الجهد والطاقة في نصرة شيء ما، وهنا نقصد بها ضرورة تكوين عدد من المجاهدين في سبيل الله من الرجال والنساء شيبًا وشبابًا صغارًا وكبارًا لبذل ما لديهم من طاقة وإمكانيَّة لنشر دين الله في الأرض، فيكون قائمًا قيامًا لله تعالى مقتديًا بما قاله تعالى: (قم فأنذر * وربك فكبر) .
قال الإمام ابن القيم: (وتبليغ سنته إلى الأمة أفضل من تبليغ السهام إلى نحور العدو؛ لأن تبليغ السهام إلى نحور العدو يفعله كثير من الناس وأما تبليغ السنن فلا يقوم به إلا ورثة الأنبياء وخلفاؤهم في أممهم جعلنا الله وإياكم منهم بمنه وكرمه) [4] ، ولأجل ذلك فإنَّ الجهاد في أي شيء بحاجة إلى صبر ومصابرة، وثبات وتثبيت، وقوَّة وقدرة، وهنيئًا لمن يسَّر الله تعالى له ذلك، فإنَّه موعود بكون الله تعالى معه، فهو القائل: (والذين جاهدوا فينا لنهدينَّهم سبلنا وإنَّ الله لمع المحسنين) .
(يُتْبَعُ)