فهرس الكتاب

الصفحة 19100 من 20085

نقل الإمام القرطبي في تفسيره عن أبي سُلَيْمَان الدَّارَانِيّ قوله: لَيْسَ الْجِهَاد فِي الْآيَة قِتَال الْكُفَّار فَقَطْ بَلْ هُوَ نَصْر الدِّين وَالرَّدّ عَلَى الْمُبْطِلِينَ: وَقَمْع الظَّالِمِينَ ; وَعُظْمه الأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر وَمِنْهُ مُجَاهَدَة النُّفُوس فِي طَاعَة اللَّه.

وقال الإمام ابن كثير في تفسيره: (قَالَ تَعَالَى"وَاَلَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا"يَعْنِي الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه وَأَتْبَاعه إِلَى يَوْم الدِّين"لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلنَا"أَيْ لَنُبَصِّرَنَّهُمْ سُبُلنَا أَيْ طُرُقنَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة.

وقال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، أخبرنا عباس الهمداني أبو أحمد من أهل عكا في قول الله تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ. قال: الذين يعملون بما يعلمون يهديهم الله لما لا يعلمون. قال أحمد بن أبي الحواري: فحدثت به أبا سليمان الداراني، فأعجبه. وقد روى ابن أبي حاتم أيضًا بسنده عن أصبغ قال: سمعت عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قول الله: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا) قيل له: قاتلوا فينا؟ قال: نعم.

وروى بسنده عن الربيع في قوله: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا. قال: ليس على الأرض عبد أطاع ربه ودعا إليه ونهى عنه إلا وأنه قد جاهد في الله.

ولهذا فالإنسان سيكون في خسارة كبيرة في هذه الدنيا إن لم يؤمن بربه وكذلك من آمن بربه سيكون خاسرًا إن لم يعمل بما آمن به، وكذلك العامل سيكون خاسرًا أجرًا كبيرًا إن لم يؤدِّ واجب الوقت في الدعوة إلى الله بعدما علم وعمل، والداعية المؤمن العامل، في خسارة أكيدة إن لم يصطبر على دعوته ويعاني الأمريَّن في سبيل نشرها ونصرتها ويلخص ذلك قول الله تعالى ففي سورة العصر المقصودة في كلام الشافعي يقول الله تعالى وهو أصدق القائلين: (والعصر* إنَّ الإنسان لفي خسر* إلاَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات* وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) ولقد عرف قدر هذه السورة الإمام الشافعي فقال في حقِّها: (لو ما أنزل الله على عباده حجَّة إلا هذه السورة لكفتهم أو لوسعتهم) .

فالقضية إذًا بحاجة لإيمان وعمل وتواصي بالحق وهي الدعوة إلى الله وتواصي بالصبر، لكي يكون الجهاد في نشر الدعوة إلى الله منصورًا، ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: (وإنَّ النصر مع الصبر) .

فعلى الداعية إلى الله أن يدرك حقيقة الجهاد في سبيل الله لنشر الدعوة إلى الله، فالدعوة إلى الله تشريف وتكليف، وهمّ وهمَّة، ونية وإرادة، وعزيمة صادقة، لن تؤتي أكلها إلاَّ بنشرها نشرًا كبيرًا، ولقد وصَّى الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلَّم بهذا الجهاد الدعوي فقال: (وجاهدهم به جهادًا كبيرًا) ، وهنيئًا لمن قام بهذا الجهاد والذي سيكتبه الله تعالى له، كما قال الحسن البصري رحمه الله:"إن الرجل ليجاهد وما ضرب يومًا من الدهر بسيف" [5] .

* ومن جهاد الدعوة جهاد الحجَّة والبيان:

روى البخاري في صحيحه عن النعمان بن بشير -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا» .

والسفينة هنا بمثابة المجتمع، وهو بحاجة أكيدة لمن يقوم بأمر تبليغ هذا الدين بشتَّى الوسائل والأساليب، حتَّى لا ينال الدعاة إلى الله شيئًا من الوزر، أو أن يعمهم الله بعقاب من عنده بسبب عدم قيامهم بكل ما لديهم من طاقات وإمكانيات لتبليغ هذا الدين في آذان الناس.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت