وثبت في الحديث عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه خطب فقال:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ وَتَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَا وَضَعَهَا اللَّهُ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ بَيْنَهُمْ فَلَمْ يُنْكِرُوهُ يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابِهِ"أخرجه الإمام أحمد بإسناد صحيح.
يقول ابن القيم -رحمه الله- (وأي دين وأي خير فيمن يرى محارم الله تنتهك، وحدوده تضيع، ودينه يترك، وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- يرغب عنها، وهو بارد القلب! ساكت اللسان! شيطان أخرس! كما أن المتكلم بالباطل شيطان ناطق، وهل بلية الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سلمت لهم مآكلهم ورياستهم فلا مبالاة بما جرى على الدين) [6]
ولنتأمل في حال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقد كان يقوم بالدعوة إلى الله ويصدح بها في آذان الناس، ويجاهد في سبيل ذلك جهادًا كبيرا، وفي هذا يقول الإمام ابن القيم رحمه الله:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذروة العليا منه - أي الجهاد - واستولى على أنواعه كلها، فجاهد في الله حق جهاده بالقلب والجنان والدعوة والبيان والسيف والسنان، وكانت ساعاته موقوفة على الجهاد بقلبه ولسانه ويده، ولهذا كان أرفع العالمين ذكرًا، وأعظمهم قدرًا، وأمره الله - جل وعلا - بجهاد الكافرين من حين بعثه الله، فقال تعالى: {ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرًا * فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادًا كبيرًا} ."
فهذه سورة مكية، أمر فيها بالجهاد للكافرين، ولذلك أمر فيها بجهاد الكفار بالحجة والبيان وتبليغ القرآن، وكذلك جهاد المنافقين إنما هو تبليغ الحجة، وإلا فهم تحت قهر الإسلام، قال تعالى: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير} ، فجهاد المنافقين أصعب من جهاد الكفار، وهو جهاد خواص الأمة وورثة الرسل، والقائمون به أفراد في العالم، والمشاركون فيه والمعاونون عليه - وإن كانوا هم الأقلون عددًا - فإنهم أعظم الناس عند الله قدرًا" [7] ."
* ليست الدعوة مقتصرة على:
يفهم كثير من الناس أنَّ الدعوة إلى الله مقتصرة على فئة من أهل العلم الكبار، أو ممَّن يحملون شهادات في الشريعة والدراسات الإسلامية، فضلًا عن أن يفهموا أنَّ الدعوة إلى الله تكون في المساجد أو الفضائيات أو الإذاعات والتي هي شيء يسير جدًا من وسائل الدعوة إلى الله.
أن يكون لدى الشخص روح دعوية دافعة له بالدعوة إلى الله، نعمة عظيمة لا تقدرها نعمة، بل هو إكرام من الله تعالى للعبد القائم بحق الدعوة، ولأجل ذلك كان الإمام عبد القادر الجيلاني رحمه الله يحمد الله ويسبحه على أن وفقه لهذه النعمة فكان يقول: (سبحان من ألقى في قلبي نصح الخلق وجعله أكبر همي) [8] .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (والدعوة إلى الله واجبة على من اتبع الرسول صلى الله عليه وسلم وهم أمته وقد وصفهم الله بذلك: كقوله تعالى:"الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"فهذه في حقه صلى الله عليه وسلم وفي حقهم قوله: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} الآية، وقوله: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} الآية، وهذا الواجب واجب على مجموع الأمة، وهو فرض كفاية يسقط عن البعض بالبعض كقوله: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير} الآية، فجميع الأمة تقوم مقامه في الدعوة: فبهذا إجماعهم حجة وإذا تنازعوا في شيء ردوه إلى الله ورسوله) [9] .
(يُتْبَعُ)