إنَّ الناس بحاجة منك لأن تدعو إلى الله ولو بكلمة ولو لمرَّة لا تدري لعلَّ الله يفتح على يديك هدايته أو يحدث بعد ذلك أمرا، ولقد أخبرنا رسول الهدى صلى الله عليه وسلَّم فقال: (بلغوا عني ولو آية) أخرجه البخاري.
وقال صلى الله عليه وسلم: (نضر الله امرءً سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه؛ فرُبّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه) [10]
كان د. عبد الرحمن السميط داعية إلى الله وهو طبيب ودكتور، ولم ينظر لنفسه بأنَّه دكتور وليس عليه إلاًّ مداواة الناس، وتقديم العلاج لهم، بل فهم أنَّ عمله فيه مجال خصب للدعوة إلى الله فأدَّى ما عليه وقام بالدعوة إلى الله خير قيام، حتى إنَّه في حديثه مع الإعلامي المشهور أحمد منصور قال له في برنامج (بلا حدود) أنَّ الله تعالى هدى على يديه وهدى على يد من هدى عليه قرابة أربعة ملايين شخصًا!!
ولم يكن د. خالد الجبير عالمًا أو بروفسورًاُ في الشريعة، بل كان دكتورًا ماهرًا في جراحة القلب، ومع هذا أثَّر تأثيرًا بالغًا وهدى الله على يديه أممًا من الناس، وكان يقول كثيرًا إنَّ طب القلوب وجراحتها دمويًا، يحتاج إلى طب القلوب وإسعافها دينيًا، حتى فتح الله على يديه عددًا هائلًا من عصاة المسلمين.
وغير خافٍ علينا الدور السديد للداعية إلى الله الشيخ عبد المجيد الزنداني وتأثيره على الكثير من مرضى المسلمين في مجال الطب والصيدلة، ومع هذا قام بواجب الدعوة إلى الله خير قيام، فجزاه الله خيرًا جزيلًا.
لقد قام هؤلاء الدعاة جزاهم الله خيرًا بواجبهم الدعوي ولعلَّ الله تعالى يأجرهم أجرًا كبيرًا في ذلك، ولكم تذكرت ما قاله الإمام ابن القيِّم: «ولا يكون من أتباع الرسول على الحقيقة إلا من دعا إلى الله على بصيرة. قال الله تعالى: ? قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين ? تفسير لسبيله التي هو عليها، فسبيله وسبيل أتباعه: الدعوة إلى الله، فمن لم يدع إلى الله فليس على سبيله»
فالعبرة إذًا بأن يعرف الإنسان نفسه ويضعها في المكان اللائق بها من ناحية العمل والشغل أو الوظيفة، ولكنَّ عليه عبئًا كبيرًا لا بدَّ من التهيؤ له وانتداب النفس للخوض فيه، ومعاناة معاني الدعوة إلى الله، ومن لم يعانِ لم يدرك المعاني ...
قد هيئوك لأمر لو فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
* والدعوة بحاجة إلى تربية:
كل له غرض يسعى ليدركه ... والحر يجعل إدراك العلا غرضًا
أن يقوم شخص ما أو امرأة ما وتقول كلمة خيِّرة أمام مجمع من الناس، ينفع الله بها فإنَّ تلك الكلمة لن تذهب سدى عند الله تعالى، ولكن ما أجمل أن يعتني كل داعية إلى الله بمجموعة من المدعويين المستهدفين للقيام على شأنهم دينيًا وإصلاحهم تربويًا ومتابعة أمورهم، من خلال توعية مستدامة، وسقي لأفئدتهم بماء الوحي، فالذي ثبت من خلال تجارب دعويَّة أنَّ الداعية المؤثر لابدَّ أن تكون له عناية بفئة من المدعوين، فالكلمة الحكمة يهدي الله بها أناسًا، ولكنَّ الكلمة الدعوية الهدية أول قدم في طريق المدعو إلى الهداية، وبعدها فالمدعو بحاجة لأن يعرف كيف يعبد الله، وكيف يتخلى عن الرواسب الفكرية، والرفقة السيئة، والمعاصي والذنوب الخفيَّة، وهذا كله لن يأتي الإقلاع عنه خلال يوم وليلة، بل لو تخلَّى المدعو عنه خلال يوم وليلة، فإنَّه لابدَّ وأن يملأ وقته بشيء من النفع والفائدة، وأن تكون له رفقة ناجحة وصالحة.
ولربما شاهدنا أناسًا من الشباب يقولون لقد هدانا الله تعالى، ولكن ما الطريق إلى تثبيت الهداية في قلوبنا؟ فالمرء ضعيف بنفسه قوي بإخوانه، فهو بحاجة ماسَّة وأكيدة إلى عمليَّة تربوية تستهدفه إلى أن يستطيع أن يكون قائمًا على ساقه، يمكنه بعدها أن يقوم على نفسه بما يسميِّه علماء التربية بـ: (التربية الذاتية) .
ولو لاحظنا وتأملنا قوله تعالى: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الحكيم)
(يُتْبَعُ)