فهرس الكتاب

الصفحة 19206 من 20085

فيجب أن نكون عونا لأخينا المذنبِ على الشيطان، فلا نُسْلمه له، بل نسدده ونفتح له باب التوبة، ولكن يجب علينا أن نكره فعلَه، ونبغض ذنبه. ففي شرح السنة للبغوى (13/ 137) ،[عن ابن مسعود قال: (إذا رأيتم أخاكم قارف ذنبًا؛ فلا تكونوا أعوانًا للشيطان عليه، تقولون: اللهم اخزه، اللهم العنه، ولكن سلوا الله العافية، فإنَّا أصحابَ محمد صلى الله عليه وسلم كنا لا نقول في أحدٍ شيئًا حتى نعلم على ما يموت، فإن ختم له بخيرٍ؛ علمنا أنه قد أصاب خيرًا، وإن ختم له بشر؛ خفنا عليه علمه) .

وروي أن أبا الدرداء مرَّ على رجلٍ قد أصاب ذنبًا، فكانوا يسبونه، فقال: (أرأيتم لو وجدتموه في قليب، ألم تكونوا مستخرجيه؟) قالوا: بلى! قال: (فلا تسبوا أخاكم، واحمدوا الله الذي عافاكم) ، قالوا: أفلا تُبغِضه؟ قال: (إنما أبغض عمله، فإذا تركه، فهو أخي) ] .

نعم؛ نبغض عمله فإذا تركه فهو أخونا.

وعن عمر بن الخطاب قال: (إذا رأيتم أخاكم زل زلة؛ فقوِّموه وسددوه، وادعوا الله أن يتوب عليه، ويراجع به إلى التوبة، ولا تكونوا أعوانا للشيطان عليه) . شعب الإيمان (5/ 289، ح6690) .

عبدَ الله! لا تكن المحاسبَ للناس والرقيبَ عليهم دون الله عز وجل، فعن الحسن قال: (رحم الله عبدا لم يحاسب الناس دون ربهم، ولم يحمل على نفسه ما لم يحمِّله الله لهم) . شعب الإيمان (5/ 291، ح6695 (.

واعلموا أن تعيير الآخرين بما فيهم؛ داء ومرض وبلاء يُعْدي في الحياة قبل الممات، وإياك أن تكون من الشامتين، وما عليك أخي في الدين! إذا رأيت العصاة والمخطئين إلا أن تحمد الله الذي عافاك، كتب سعيد بن جبير =إلى= عمرٍو أبي السوار العدوي: (أما بعد؛ يا أخي! فاحذر الناس، واكفهم نفسك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك، وإذا رأيت عاثرا؛ فاحمد الله الذي عافاك، ولا تأمن للشيطان أن يفتنك ما بقيت) . شعب الإيمان (5/ 293، ح6698) .

لو تذكرتم ما للعصاة من عقوبة في الآخرة؛ لرحمتموهم، ولما سخرتم منهم أو شمتم بهم، عن أبي سليمان الداراني قال: (إنما الغضب على أهل المعاصي؛ لجراءتهم عليها، فإذا تذكرتَ ما يصيرون إليه من عقوبة الآخرة؛ دخلت القلوبَ الرحمةُ لهم) شعب الإيمان (5/ 294، ح6701) .

إن من أدب المسلم نحو المغنين والراقصين الدعاء لهم بالهداية، لا عليهم بالضلال والخسران والغواية، عن إبراهيم بن الأطروش قال: كان معروف الكرخيِّ على الدجلة ونحن معه، إذ مر بها أقوامٌ أحداثٌ في زورق يغنون ويضربون بالدف! فقلنا: يا أبا محفوظ! أما ترى هؤلاء في هذا البحر يعصون الله عز وجل؟ ادع الله عليهم! قال: فرفع يده إلى السماء فقال: (إلهي وسيدي! اللهم إني أسألك أن تفرّحَهم في الآخرة كما فرّحتهم في الدنيا) . فقال له أصحابه: إنا سألناك أن تدعوَ عليهم، ولم نسألْك أن تدعوَ لهم! قال: (إذا فرّحهم في الآخرة؛ تاب عليهم في الدنيا، ولم يضركم شيء!) .

قال الإمام أحمد رحمه الله: ومن هذا الباب قول الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون * يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن} إلى قوله: {لحم أخيه ميتا فكرهتموه} . فاشتملت هذه الآية على تحريمِ الاستهزاءِ والسخرية، وتحريمِ اللمزِ وهو الغيبةُ والوقيعة، ومعنى {لا تلمزوا أنفسكم} أي لا يلمز بعضهم بعضا، وتحريمِ التنابزِ بالألقاب؛ هو أن يدعَ الواحدُ أن يدعوَ صاحبَه باسمه الذي سماه أبوه؛ ويضع لقبا يريد أن يشينَه به، أو يستذلَّه فيدعوه به، ثم قال: {بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان} فأبان أن فعل هذه المحظورات فسوقٌ بعد الإيمان، والإيمان يوجب مواصلة أقداره الاعتراض على الموجود منه بما لا يليق به، ثم قال: {ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون} أي هم الظالمون أنفسَهم بسوقها إلى النار والعذاب الأليم، ثم قال: {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم} ، فأراد أن ظنَّ القبيحِ بالمسلم؛ كهمزه ولمزه، والسخرية والهزء به، نهى عنه، وأخبر أنه إثم، ونهى عنه وعن التجسس؛ وهو تتبع أحواله في خلواته، وجوفِ داره، والتعرفِ لها، فإن ذلك إذا بلغه ساءه وشق عليه، فكان التعرضُ له من باب الأذى، الذي لا موجب له، ولا مرخص فيه،

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت